بيان حلف قبائل حضرموت… وثيقة تاريخية لإعادة رسم المعادلة السياسية في اليمن
بقلم عبدالجبار باجبير
في لحظة سياسية مفصلية، ومع تعقّد المشهد الوطني وتزايد محاولات القفز على استحقاقات الواقع، جاء بيان حلف قبائل حضرموت الصادر بتاريخ 27 يناير 2026م، ليؤسس لمرحلة جديدة في مسار العمل السياسي الوطني، ويضع حدًا لمحاولات حصر مستقبل اليمن في معادلة ثنائية قاصرة لا تعكس حقيقة التوازنات القائمة على الأرض.
لم يكن هذا البيان مجرد موقف عابر أو رد فعل ظرفي، بل وثيقة سياسية ناضجة، عبّرت بوضوح عن وعي حضرمي عميق بطبيعة المرحلة، وبحجم التضحيات التي قُدمت في سبيل بناء الدولة، وترسيخ مؤسساتها، وتحقيق الأمن والاستقرار، والشراكة العادلة بين مختلف المكونات.
لقد أكد البيان أن المعطيات الواقعية لم تعد تقبل بمنطق المناصفة الجغرافية بين الشمال والجنوب، باعتباره طرحًا لا يراعي خصوصيات المحافظات، ولا ينصف القوى الفاعلة، ولا يعكس حجم الأدوار والتضحيات التي قدّمتها حضرموت على مدى سنوات طويلة.
ومن هنا، جاءت الرسالة الأهم في البيان، حين أعلن حلف قبائل حضرموت رفضه لأي مشاركة سياسية لا تكون فيها حضرموت طرفًا ثالثًا مستقلًا، يمتلك قراره وإرادته، ويشارك في صناعة المستقبل الوطني من موقع الشراكة لا التبعية، ومن موقع التأثير لا التهميش.
إن هذا الموقف لا يستهدف إقصاء أي طرف، ولا يعادي أي مشروع وطني، بل يسعى إلى تصحيح مسار مختل، وإعادة بناء المعادلة السياسية على أسس عادلة، تضمن التوازن الحقيقي، وتحفظ الحقوق، وتمنع احتكار القرار الوطني من قبل أطراف بعينها.
كما أن البيان يحمل في مضمونه رسالة واضحة مفادها أن حضرموت لم تعد تقبل أن تكون مجرد ورقة تفاوض، أو ساحة صراع، أو خزان موارد دون مقابل سياسي عادل، بل شريكًا أصيلًا في صياغة الدولة، وحارسًا لاستقرارها، وركيزة من ركائز وحدتها.
ويُعد هذا البيان، في جوهره، امتدادًا طبيعيًا لمسار حضرمي متراكم، بدأ بالمؤتمرات الجامعة، واللقاءات القبلية والمجتمعية، والتحركات الشعبية السلمية، وصولًا إلى بلورة مشروع سياسي واضح المعالم، يستند إلى الواقع، ويحظى بسند اجتماعي واسع.
اليوم، ومع هذا الموقف المسؤول، يضع حلف قبائل حضرموت الجميع أمام اختبار جدي: إما الاعتراف بحضرموت كشريك كامل في المعادلة الوطنية، أو الاستمرار في سياسات الإقصاء التي أثبتت فشلها وأدخلت البلاد في دوامة من الأزمات.
إن بيان 27 يناير 2026م، ليس مجرد وثيقة موقف، بل إعلان سياسي تاريخي، يؤسس لمرحلة جديدة من الوعي الوطني، ويعيد الاعتبار لمعادلة ثلاثية واقعية: شمال، جنوب، حضرموت، وفقًا لما أفرزته التضحيات والاستحقاقات على الأرض.
وسيظل هذا البيان علامة فارقة في مسار النضال الحضرمي، وخارطة طريق لكل من يسعى إلى بناء دولة عادلة، تقوم على الشراكة، لا على الهيمنة، وعلى التوازن، لا على الإقصاء.