عبود بن العرج.. صدق الموقف وشجاعة المواجهة
صلاح بوعابس
بين ثنايا الهضبة الحضرمية الشامخة، حيث تلتقي قسوة الطبيعة بعنفوان الكرامة، ولدت حكاياتٌ عصية على النسيان.. هناك، وسط الحشود المرابطة التي نذرت أرواحها لمجد حضرموت وانتزاع حقوق أهلها، لم تكن الوجوه مجرد ملامح، بل كانت "خرائط للثبات" في زمن المتغيرات. ومن بين تلك الوجوه التي نُقشت أسماؤها في ذاكرة المجد، يبرز اسم الشهيد عبود بن العرج العليي؛ الذي جسّد ببساطته أسمى معاني التجرّد والنضال، فهذا الرجل البسيط الذي لم يعرف يومًا لغة المصالح، ولم تتبدل بوصلته بتبدل الأمزجة أو بريق العطايا.
في تلك الأيام المثقلة بالترقب، كانت غرفتنا الوحيدة في الهضبة تمثل الرئة التي يتنفس منها الجميع؛ كانت أشبه بـ "صالة ترانزيت" تضج بالزوار، ومنهم "عبود"؛ زائرًا لا يهدأ، يتفحص الملامح بعين ثاقبة وحس أمني فطري صقلته الظروف البالغة التعقيد والخطورة.
كان يتذرع دومًا بـ "شحن جواله" ليدخل خلوتنا، لكن قلبه كان يبحث عما هو أبعد من ذلك؛ كان ينشد الطمأنينة بين إخوانه، ويشاركهم الهموم ويرفع المعنويات. ثم غاب عنا برهة من الزمن ملبيًا نداء الواجب حين رُفعت راية "قوات حماية حضرموت"، فانخرط في صفوفها الأولى، مؤثرًا لغة الفعل على القول.
عاد إلينا عبود في الأيام الأخيرة عودة المشتاق لمتراسه القديم. كانت غرفتنا تتحول بوجوده إلى ما يشبه برنامج "الاتجاه المعاكس"؛ ليس رغبةً في الجدل، بل من فيض حماسه وصدقه المطلق.. كان يحمل في صدره قلبًا لا يعرف المواربة، يبوح بكل ما يختلج فيه، ينتقد التقصير بمرارة المحب، ويجاهر بالولاء لقضية حضرموت وإيمانه الحتمي بانتصارها. لم يكن يكترث لمكانة الحاضرين أو مراكز قرارهم، فقد كان يرى في كل مرابطٍ وطنًا يستحق المصارحة. كان سلاحه الحقيقي إيمانه، لكنه ظل يفتش عن قطعة سلاح تترجم هذا الإيمان في ميدان النزال.
في أيامه الأخيرة، كان عبود يشكو بمرارة من خلو يده من السلاح، وكأنه كان يستشعر اقتراب ساعة الصفر، ويرفض أن يلقى ربه إلا وهو ممسك بزمام الموت. وفي الليلة التي سبقت ملحمة "نازية" الشهيرة، افتقدنا حضوره المعهود، وعندما تتبعنا أثره، جاءنا الخبر اليقين: «لقد ظفر عبود أخيرًا بقطعة سلاح وبعض الرصاص، ويمم وجهه شطر بوابة نازية».
لم يذهب عبود ليرابط فحسب، بل مضى ليوقع بدمه على وثيقة الكرامة. وعندما باغت الغزاة تلك القوة قليلة العدد والعتاد في موقع "نازية"، لم يتزحزح عبود ولم ينكسر، بل أذاقهم درسًا مشهودًا في الاستبسال والمواجهة، مُقبلًا غير مدبر. ومع خيوط الفجر الأولى التي شقت عتمة الليل، كانت الأرض قد اختارت عريسها؛ فحلّق عبود بن العرج شهيدًا في ذلك الصباح المهيب.
رحل عبود، وترك خلفه هاتفًا صامتًا لم يعد بحاجة إلى شحن، وغرفةً يملؤها الحنين لصوته الجهوري وانتقاداته الحادة.. رحل تاركًا للأجيال درسًا بليغًا : أن الحقوق لا تُستجدى بالكلمات، وأن البطولة لا تُقاس بالرتب العسكرية أو المناصب، بل بصدق الموقف وشجاعة المواجهة.
رحم الله الشهيد عبود بن العرج ورفاقه الأبرار، وأسكنهم فسيح جناته مع الصديقين والشهداء، وجعل دماءهم نورًا يضيء طريق العزة لحضرموت.