#لحظة_ضوء
فتحي بن لزرق
في ختام زيارتي إلى المملكة العربية السعودية، ثمة حديث لا بد أن يُقال، موجَّه إلى كل اليمنيين عامة، وإلى أبناء عدن وأهلها على وجه الخصوص.
ثمة اشياء رأيتها هنا ، عاينتها ووجب الحديث عنها:
تربطنا بالمملكة العربية السعودية علاقة تاريخية عميقة ووطيدة، يزيد عمرها على مئة عام؛ علاقة تحكمها الجغرافيا والأخوة والتاريخ والدين والمصير المشترك.
وهي علاقة ليست بيدنا ولا بيدهم فكّها أو الانفكاك عنها، ولن تُطوى إلا بقيام الساعة، ولا شيء دون ذلك.
وعلى خلاف كثير من الدول ومحيط واسع، لم تُحكم هذه العلاقة من جانب المملكة بمنطق المصالح الضيقة، بقدر ما حكمتها عوامل عدم الاستقرار في اليمن والاضطراب المزمن الذي شكّل سمة أساسية من سمات الدولة اليمنية.
ورغم أن السعودية ظلّت لعقود الحاضرَ الأول والداعمَ الأول للدولة اليمنية، فإن عنوان هذه المرحلة هو حضور من نوع آخر ودعم من طبيعة مختلفة؛ حضور قررت فيه الرياض أن ترمي بكل ثقلها لدعم المحافظات المحررة واليمن عموماً، مسجِّلة نموذجًا للدعم يُشابه الحضور السعودي اليوم في سوريا.
يسابق السعوديون الزمن؛ تتشكّل خلايا نحل في العاصمة الرياض لدراسة جدوى المشاريع السياسية والاقتصادية والتنموية، وتُطرح الخطط الاستراتيجية في قطاعات الكهرباء والمياه والاستثمار، وعلى مقربة سيُعلن رسميًا عن توجه شركات سعودية للاستثمار.
هذا الجهد، وهذا الحضور، وهذا التوجّه (بحسابات الاقتصاد) لن يحقق للرياض مكسبًا ماديًا يُذكر، بقدر ما سيُدوَّن في سجلات الإنفاق على دولةٍ جارة تحكمها الجغرافيا والتاريخ والأخوة بحالة إسنادٍ صادقة.
وعليه نقول للناس: هذه فرصة تاريخية لن تتكرر، ولن يعيدها التاريخ مرتين؛ إما أن نلتقطها ونسير مع أشقائنا في السعودية نحو إعادة عجلة الدولة ومسارها وتوجّهها إلى ما هو أصلح لنا جميعًا، وإما أن نُضيّعها إلى الأبد.
هي لحظة ضوء؛ إما أن تُضيء حياتنا وواقعنا، أو نسير في طريق العتمة إلى الأبد.
هي لحظة نجاة قبل سقوط نهائي.
وهي لحظة تجاوز ويجب ان نمر بها والا تمر علينا.
كونوا إلى جانب هذه الجهود، وتعلّموا من أشقائنا السوريين الذين يمضون اليوم—بإسنادٍ سعودي—نحو مصافات لم يكونوا يحلمون بها يومًا.
في الحضور السعودي ليست هناك سجون بل مدارس، وليست هناك متاريس بل طرق، وليست هناك فوضى بل مؤسسات، وليست هناك حروب بل تنمية، وليست هناك أزمات بل معالجات، وليست هناك معاناة بل فرص، وليست هناك عتمة بل كهرباء، وليست هناك عزلة بل شراكات، وليست هناك شعارات بل مشاريع، وليست هناك وعود مؤجلة بل إنجازات على الأرض، وليست هناك يدٌ تثقل كاهل الناس بل يد تمتد لدعمهم، وليست هناك مخاوف من الغد بل ملامح أمل يتشكل كل يوم.
إنها لحظة تاريخية عنوانها: الطريق، والمدرسة، والمشفى، والراتب، واستعادة الدولة ومؤسساتها. لحظة بلا هتاف ولا تظاهر ولا شعارات؛ لحظة نرسم فيها وطنًا جديدًا بملامح جديدة، بلا تعب ولا إرهاق ولا خوف ولا ظنون.
ولأننا تعبنا جميعًا… أقول:" أرجوكم، اصطفّوا دفاعًا عن هذه اللحظة؛ لأنها ليست لحظة عابرة، بل كلّ المستقبل.
هل قلت المستقبل؟
بل كل الحاضر والمستقبل وقليلاً من الماضي.
وأقم الصفوف..
فتحي بن لزرق