لماذا نجتمع؟
بقلم : د. صايل بن رباع
ببساطة، لأننا نستشعر مسؤوليتنا تجاه ًحضرموت – أرضاً وإنساناً وهوية.
فالتاريخ الذي جمعنا في تنوّعنا، من الوديان إلى الساحل والصحراء والهضاب، لا يزال حيًّا في ذاكرتنا الجمعية، يذكّرنا بأن حضرموت لم تكن يوماً فكرة ضيّقة أو انتماءً محصوراً، بل فضاءً واسعاً للعقل والعلم والعمل، وموطناً لتعددٍ صاغ شخصيتنا المشتركة.
هذا التنوع الذي نعرفه ونفخر به كان – ولا يزال – مصدر ثراء اجتماعي وثقافي، لا مصدر تفريق أو تسلط أو تميّز.
مع مرور السنوات، تراكمت ممارسات وتصورات جعلت أبناء حضرموت يشعرون أن تمثيلهم السياسي والاجتماعي لا يعبّر عنهم حقًا، وأن الصوت الذي يتحدث باسمهم لا يصدر من داخلهم، بل من مصالح حزبية أو رؤى أيديولوجية، أو سلطات موروثة، أو وصايات مفروضة.
إن هذه الحقائق تضع المواطن الحضرمي أمام أسئلة مهمة جدًا:
هل فروع الأحزاب اليمنية في حضرموت يحق لها أن تمثّل مصالح حضرموت؟
هل المكوّنات الاجتماعية والسياسية الوطنية الحضرمية تشارك فعليًا في السلطة؟
هل التمثيل في هذه المكوّنات الحضرمية يعكس فعلاً الساحة الوطنية الحضرمية؟
هل تحمل المكوّنات الحضرمية في بنيتها نواة دولة النظام والقانون والحوكمة والمساءلة والشفافية والمواطنة والمساواة والحقوق؟
هل يمكن لهذه المكوّنات، بتركيبتها الحالية، أن تنتج دولة مدنية حقيقية قائمة على المواطنة والعدالة والمساواة والتشاركية وحكم القانون؟
هل تسمح أنظمة تلمكونات الحضرمية بالتعديل او بانتاج مستويات قيادة جديدة من داخلها او ببروز قيادات شابه قادرة على التغيير؟ ام أنها منظمات مصالح مغلقة على اصحابها؟
كل هذه الأسئلة، وإجاباتها الواضحة، تعيش في عقل وضمير كل امرأةٍ ورجلٍ في حضرموت — وخاصة أولئك الذين يشعرون أن هناك فئات تستثمر الواقع الوطني والاجتماعي والسياسي والاقتصادي لبناء “أبوياتٍ سياسية” وأنظمةٍ أشبه بـ“الكارتيلات السياسية”، لا تخدم فكرة الدولة المدنية، ولا تعبّر عن تطلعات أبناء حضرموت إلى مستقبلٍ خالٍ من الاستبداد والتسلط، ومن خطف الدولة واحتكار تمثيلها، أو من عمل مكونات سياسية كوكلاء لضمان أن تبقى حضرموت طيّعة لما يُراد لها من الخارج.
نعم ...لهذا نجتمع.
نجتمع لأننا نريد إعادة بناء المعنى، لا تكرار الأشكال.
نجتمع لنبحث معاً – بصدق وتجرد – عن الطريق إلى صوت حضرمي وطني حديث، منفتح، يليق بتاريخ هذه الأرض، ويعبّر عن مواطنيها لا عن نخبها وحدها.
صوتٍ يرتكز على مبادئ العدالة والمواطنة والمساءلة، ويقوم على المشاركة لا الوصاية، وعلى العقل لا الغلبة، وعلى الوعي لا الاصطفاف.
نحن لا نبحث عن تسمية جديدة اليوم، بل عن الجوهر.
فالتسمية تأتي حين تنضج الفكرة، وحين يقتنع الناس أنها ملكهم جميعاً لا مشروعٌ نخبوي أو ظرفي.
ما نريده الآن هو أن نبدأ من سؤال الحقيقة:
من نحن؟ وماذا نريد لحضرموت؟
الإجابة لا يكتبها فريق ولا شخص، بل يكتبها وعيٌ جماعي جديد يبدأ من هنا:
من إدراكٍ راسخ أن مستقبل حضرموت مرهون بقدرة الحضارم على أن يكونوا نموذجًا في الرشد، وفي العمل، وفي التشارك من أجل الغد.