التحريض والتشهير ضد النساء في الشأن العام اليمني: عنف معنوي يهدد المشاركة والقيادة
بقلم :هدى الصراري
في السنوات الأخيرة، تصاعدت حملات التحريض والتشهير ضد النساء العاملات في الشأن العام داخل اليمن، ولم يعد الأمر يقتصر على النقد أو المساءلة المرتبطة بالأداء الوظيفي أو المواقف السياسية، بل تحول في كثير من الأحيان إلى هجمات منظمة تستهدف النساء بسبب كونهن نساء، عبر الطعن في سمعتهن والتشكيك في أخلاقهن وكفاءتهن وخبراتهن، وتلفيق الاتهامات الباطلة بحقهن.
من حق أي مجتمع أن يناقش أداء المسؤولين والمسؤولات وأن ينتقد الأخطاء أو أوجه القصور في الوظيفة العامة، لكن ما يحدث في كثير من الحالات يتجاوز حدود النقد المشروع إلى انتهاك الكرامة الإنسانية والاعتداء على الحياة الخاصة والدخول في الأعراض ونشر الشائعات والاتهامات دون أدلة. والأسوأ من ذلك أن هذه المنشورات تجد طريقها سريعاً إلى التداول الواسع حتى تتحول إلى "ترند" يتغذى على التشهير والإساءة أكثر من اهتمامه بالحقيقة.
ويبدو أن الرأي الجمعي في المجتمع اليمني يتعامل بقسوة مضاعفة عندما تكون المستهدفة امرأة. فبينما قد يواجه الرجل نقداً لأدائه أو قراراته، تتعرض المرأة في كثير من الأحيان لمحاكمة اجتماعية شاملة تستهدف شخصها وسمعتها وعائلتها، وكأن وجودها في مواقع المسؤولية أو اتخاذ القرار أمر يستوجب العقاب.
وللأسف، لم تعد حملات التضامن التقليدية كافية لمواجهة هذه الظاهرة. ففي بعض الحالات يؤدي تسليط الضوء على القضية إلى زيادة انتشار المحتوى المسيء، أو يتم التعامل مع الضحايا بانتقائية تفتقر إلى المعايير الواضحة، فتجد بعض النساء دعماً واسعاً بينما تُترك أخريات لمواجهة حملات التشهير بمفردهن. وعندما يصبح التضامن انتقائياً، فإنه يفقد جزءاً كبيراً من مصداقيته وتأثيره.
لقد عانت العديد من المدافعات عن حقوق الإنسان والناشطات والسياسيات والعاملات في مؤسسات الدولة والصحفيات وصاحبات الرأي من حملات تحريض وتشهير ممنهجة، هدفت إلى إسكات أصواتهن أو إقصائهن من المجال العام. ومع ذلك، لم نشهد حتى اليوم استجابة مؤسسية كافية من الجهات الوطنية أو القانونية أو الحقوقية لردع المحرضين ومروجي حملات الكراهية والتشهير، خصوصاً أولئك الذين يستخدمون منصات إعلامية وصحافة صفراء مرتبطة بأطراف سياسية مختلفة.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب أكثر من بيانات الإدانة والاستنكار. فهي تحتاج إلى إجراءات قانونية ومؤسسية واضحة تترجم إلى واقع عملي، وتوفر الحماية لجميع النساء دون تمييز. كما تتطلب تطوير تشريعات وآليات فعالة تجرّم التحريض والتشهير وانتهاك الخصوصية والاعتداء على السمعة، وتضمن محاسبة مرتكبيها أياً كانت انتماءاتهم أو مواقعهم.
وفي ظل تعطل مجلس النواب عن القيام بدوره التشريعي، فإننا نطالب بإصدار قرارات وإجراءات رئاسية عاجلة تسهم في حماية النساء العاملات في الشأن العام، وتضع حداً لحملات التحريض والتشهير التي تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي بشكل متكرر. فهذه الحملات لا تستهدف امرأة بعينها فحسب، بل تستهدف حق النساء جميعاً في المشاركة العامة والوصول إلى مواقع صنع القرار.
إن التشهير بالنساء والتحريض ضدهن ليس مجرد إساءة فردية، بل هو شكل من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، يهدف إلى إرهاب النساء اجتماعياً، واغتيالهن معنوياً ومهنياً وفكرياً ووظيفياً، ودفعهن إلى الانسحاب من الفضاء العام. لذلك فإن التصدي لهذه الظاهرة ليس دفاعاً عن أفراد بعينهم، بل دفاع عن قيم العدالة والمساواة وسيادة القانون، وعن حق المرأة اليمنية في أن تشارك في بناء وطنها دون خوف من التشهير أو التحريض أو الاغتيال المعنوي.