أصدرت هيئة علماء اليمن، الجمعة، بيانًا تناولت فيه موقفها من الصراعات الإقليمية الجارية، مؤكدة أن ما تشهده المنطقة يستوجب “ضبط النظر بميزان الوحي” والابتعاد عن الاصطفافات العاطفية والسياسية والطائفية.
وقالت الهيئة إن الصراع القائم بين المشروع الإيراني من جهة، والمشروع الصهيوني المدعوم أمريكيًا من جهة أخرى، “ليس صراعًا لنصرة الدين أو إعلاء كلمة الله”، بل هو -بحسب البيان- “صراع نفوذ وتدافع هيمنة بين عدوين ظالمين للأمة”.
وأكدت الهيئة أن وقوف الشعب اليمني مع القضية الفلسطينية “واجب شرعي وعقدي”، محذرة في الوقت ذاته من استخدام عدالة القضية الفلسطينية لتبرير ما وصفته بجرائم مليشيا الحوثي أو توظيفها لخدمة مشاريع توسعية في المنطقة.
نص البيان:
بيان صادر عن هيئة علماء اليمن بشأن الموقف من الصراعات الإقليمية وواجب الأمة في ضبط الولاء وبناء القوة
الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم التنزيل: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين﴾، والقائل سبحانه وتعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي أقام موازين القسط ونهى عن البغي والعدوان، وعلى آله وصحبه ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:-
فإن هيئة علماء اليمن، وهي تراقب تطورات الأحداث الجسيمة في المنطقة، وما رافقها من اضطراب في الفهوم، واختلال في موازين الحكم لدى كثير من الناس لَتؤكد أن هذه النوازل تستوجب ضبط النظر بميزان الوحي، والتحرر من أسر العواطف المجردة، أو الاصطفافات السياسية أو الطائفية التي لم يقم عليها دليل من شرع ولا منطق من عقل وعليه، فإن الهيئة تضع الحقائق التالية بين يدي الأمة:-
أولاً: إن الصراع القائم اليوم بين المشروع الإيراني وأدواته الطائفية من جهة، والمشروع الصهيوني المدعوم إمريكياً من جهة أخرى، ليس صراعاً لنصرة الدين أو إعلاء كلمة الله، بل هو في حقيقته صراع نفوذ وتدافع هيمنة بين عدوين لدودين وظالمين للأمة العربية والإسلامية وقوى توسعية، تتقاطع مصالحها وتختلف أدواتها، لكنها تجتمع على وهن الأمة وتمزيق كيانها ، وإن الخلل في الفقه السياسي يتجلى في تطبيق مفاهيم الولاء والبراء بناءً على اعتبارات جزئية أو عواطف لحظية، دون إدراك للمآلات والمقاصد الكلية.
ثانياً:- إن من أصول الشريعة الإسلامية ، إقامة ميزان العدل في الحكم على الأطراف المتنازعة ، فالمشاريع التوسعية -على اختلاف شعاراتها- تتماثل في آثارها التدميرية من سفك للدماء المحرمة وتمزيق للأوطان ، والعدل يقتضي رفض هذه المشاريع جملة وتفصيلاً، فالظلم لا يُدفع بظلم مثله، ولا يجوز شرعاً تسويغ الانخراط في مشروع مناهض للعقيدة الصحيحة يمثل امتداداً للحركات الباطنية الرافضية التي أضرت بالأمة عبر تاريخها ، بحجة دفع مشروع كافر صليبي وصهيوني، فالمعيار هو الحق المحض أو النفع الراجح ، أو دفع الأضر لا الشعارات المرفوعة ، المخاتلة .
ثالثاً:- إن من أعظم الشواهد على فساد المشاريع الدخيلة ما حاق باليمن من دمار جراء المشروع الإيراني، الذي تجاوز التدخل السياسي إلى رعاية الميليشيا الحوثية الطائفية التي قوضت أركان الدولة، ونقضت غزل النسيج الاجتماعي ، وأهلكت الحرث والنسل ، بما أقدمت عليه مليشيا الحوثي من "خروج مسلح" وإشعال للفتن، يتنافى مع مقاصد الشريعة في حفظ الأنفس والأموال والأعراض ، مع سعيها الحثيث لاستغلال إمكانات البلاد في الترويج لخرافات التشيع ، ومحاربة دعوة التوحيد ، وهي اليوم ، تتمادى في جر البلاد نحو محرقة صراعات إقليمية لا ناقة لليمنيين فيها ولا جمل، متخذة من قضايا الأمة غطاءً لمطامع سادتها، مما يعد تغريراً بالعامة وتعريضاً للمصالح الضرورية للخطر .
رابعاً: - تؤكد هيئة علماء اليمن مجدداً أن وقوف الشعب اليمني مع أشقائه في فلسطين واجب شرعي وعقدي لا يقبل المساومة، وهو موقف ثابت عبر العقود نابع من صميم العقيدة لا من انتهازية في المواقف ، وهو الموقف نفسه مع الشعوب العربية والإسلامية المعتدى عليها من إيران ، كالخليج والسعودية والأحواز ، والبلوش والأكراد والعراق والأردن وغيرها .
وتحذر الهيئة من إساءة استخدام عدالة القضية الفلسطينية عبر محاولات غسل جرائم مليشيا الحوثي الطائفية في اليمن وغيرها، أو استخدامها ذريعة لتبرير التوسع والعدوان في عواصم عربية أخرى فالحق لا يُنصر بالباطل، والقدس لا يحررها من استباح صنعاء وتعز ومأرب والبيضاء وعموم البلدات اليمنية، وتسبب في تشريد الملايين.
خامساً :- امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، تؤكد الهيئة أن الإعداد فريضة شرعية تشمل :- الإعداد العسكري، والتحصين الفكري للشباب ضد الغلو والتبعية والتجهيل، والإعمار الاقتصادي ، وتدعو الهيئة الحكومات العربية والإسلامية إلى توحيد صفوفها وجمع كلمتها وربط الأمة بهويتها الإسلامية والعربية الصحيحة، ليكونوا حائط الصد المنيع أمام محاولات الاختراق الثقافي والسياسي.
سادساً :- ترى الهيئة أن الموقف الشرعي في هذه النازلة يقوم على أصول ثلاثة:-
الأول :- حرمة الاصطفاف مع مشاريع العدوان أياً كانت هويتها (صهيونية كانت أو صفوية رافضية .
الثاني :- إثبات حق الدول العربية والإسلامية في حماية بيضتها ودفع العدوان عن أمنها واستقرارها.
الثالث :- وجوب النصرة والتضامن مع الشعوب المتضررة بميزان العدل والإنصاف.
وفي هذا المقام، تجدد الهيئة دعمها للأشقاء في دول الخليج العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية -بلاد الحرمين وقبلة المسلمين- في كل ما يتخذونه لحماية أمنهم، ودفع العدوان الإيراني ، مؤكدة أن أمن الحرمين من أمن الأمة، وأن المساس به هو مساس بمقدسات المسلمين كافة.
ختاماً:- إن الطريق الأمثل للأمة هو الاعتصام بحبل الله، وتصحيح الوعي، وبناء القوة الذاتية ، نسأل الله أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد، يُعز فيه أهل الطاعة، ويُذل فيه أهل المعصية والفساد ، وأن يحفظ اليمن وسائر بلاد المسلمين من كل سوء.
والله ولي التوفيق
صادر عن: هيئة علماء اليمن
الجمعة: 15 شوال 1447هـ
الموافق: 3 أبريل 2026م