تقرير حصاد | حكومة الزنداني في أول أربعة أشهر.. إنجازات وتحديات

تقرير حصاد | حكومة الزنداني في أول أربعة أشهر.. إنجازات وتحديات
السدة نيوز

حين وصل الدكتور شائع محسن الزنداني مطلع شهر رمضان الماضي إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامه رئيساً لمجلس الوزراء وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين، كانت التوقعات متباينة، والتحديات أكبر من أن تُختزل في أزمة مالية أو خدمية، كون حكومته ورثت مؤسسات أنهكتها سنوات الحرب مع تراجع حاد في الإيرادات، واختلالات إدارية ومالية متراكمة، وخدمات متدهورة، إلى جانب ضغوط سياسية واقتصادية غير مسبوقة.

لكن ما شهدته الأشهر الأربعة الأولى من عمر الحكومة كشف عن نهج مختلف في إدارة الدولة، يقوم على الانتقال من سياسة ردود الأفعال إلى العمل المؤسسي المنظم، ومن معالجة الأزمات اليومية إلى وضع أسس إصلاح طويلة المدى، وهو ما انعكس في سلسلة من القرارات والإجراءات الحكومية، كانت بدايتها إقرار الموازنة العامة وبرنامج الحكومة، وصولاً إلى إصلاحات الرواتب والإدارة والحوكمة والخدمات. سياسة

ويرى مراقبون أن ما يميز هذه المرحلة ليس حجم القرارات فحسب، بل طبيعة الفلسفة التي تقف خلفها؛ إذ بدا واضحاً أن الدكتور شائع الزنداني يسعى إلى إعادة الاعتبار لفكرة الدولة باعتبارها مؤسسة تعمل وفق خطط وأولويات، لا مجرد حكومة تدير الأزمات يوماً بيوم.


من إدارة الأزمة إلى إدارة الدولة

طوال السنوات الماضية، فرضت الظروف الاستثنائية على الحكومات المتعاقبة نمطاً يعتمد على معالجة المشكلات الطارئة، بينما تراجع التخطيط الاستراتيجي والإصلاح الهيكلي.


أما حكومة الزنداني، فقد بدأت عملها بخطوة اعتبرها اقتصاديون الأكثر أهمية منذ سنوات، وهي إقرار الموازنة العامة للدولة لعام 2026، بالتوازي مع اعتماد برنامج حكومي متكامل حدد أولويات واضحة في مجالات الاقتصاد والخدمات والإدارة والأمن والعلاقات الخارجية.

هذه الخطوة مثلت تحولاً مهماً في طريقة إدارة الدولة، لأن وجود موازنة وبرنامج يعني ربط الإنفاق بالأهداف، وإخضاع الأداء للمتابعة والتقييم، وإيجاد مرجعية واضحة لعمل الوزارات والمؤسسا

مصادر حكومية مطلعة تحدثت إن رئيس الوزراء شدد منذ اليوم الأول على أن المرحلة الجديدة يجب أن تقوم على التخطيط والانضباط المؤسسي، وأن تكون كل وزارة مسؤولة عن تنفيذ أهداف محددة قابلة للقياس، بما ينقل الحكومة من دائرة الارتجال إلى دائرة الإدارة الحديثة.


الزنداني وهندسة الإصلاحات

بعيداً عن الخطاب الإعلامي الصاخب، يفضل الدكتور شائع الزنداني أسلوب العمل الميداني والمتابعة اليومية، وهو ما ظهر من خلال زياراته المتواصلة للوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية، واجتماعاته المستمرة مع المسؤولين والقطاع الخاص والنقابات والأكاديميين والمجتمع المدني.

ما جعل مراقبون يرون أن الزنداني يعتمد نموذجاً مختلفاً في القيادة، يقوم على بناء المؤسسات قبل البحث عن الإنجازات الإعلامية، وهو ما جعل معظم قراراته خلال الأشهر الأولى تتجه نحو إصلاح الهياكل الإدارية، وتجديد القيادات، وتعزيز الرقابة، وتحسين كفاءة الأداء.

الحكومة: حقوق الموظف أولاً

كان ملف تدني رواتب الموظفين أحد أكثر الملفات تعقيداً، نتيجة تراكم الاستحقاقات لسنوات طويلة ولذلك اتجهت الحكومة إلى معالجة هذا الملف من عدة زوايا في وقت واحد.

اعتمدت الحكومة زيادة في رواتب الموظفين الحكوميين بنسبة 20٪ بدل غلاء معيشة وأقرت صرف العلاوات السنوية المتراكمة، وكذا التسويات الوظيفية المتوقفة منذ أكثر من ثلاثة عشر عاماً، إضافة إلى تنفيذ الأثر المالي للترقيات العلمية لأعضاء هيئة التدريس، والاستمرار في صرف مرتبات المدنيين والعسكريين والمتقاعدين وأسر الشهداء والجرحى، فضلاً عن تحويل مستحقات الطلاب اليمنيين المبتعثين في الخارج.

ويرى اقتصاديون أن أهمية هذه القرارات لا تكمن فقط في أثرها المالي فقط، وإنما في الرسالة التي تحملها، وهي أن الدولة عادت لتضع موظفيها في صدارة أولوياتها، باعتبارهم أساس استقرار المؤسسات واستمرارها.


إصلاحات واسعة في المؤسسات الايرادية

واحدة من أبرز القضايا التي ركزت عليها الحكومة كانت إصلاح المؤسسات الإيرادية. فبدلاً من الاكتفاء بالمطالبة بزيادة الإيرادات، بدأت الحكومة بإعادة ترتيب المؤسسات المسؤولة عن تحصيلها، فأصدر رئيس الوزراء قرارات بإعادة هيكلة قيادات الضرائب والجمارك بعد عملية تقييم شاملة للأداء، ضمن تنفيذ أولويات الإصلاح الاقتصادي التي أقرها مجلس القيادة الرئاسي. كما شملت الإجراءات تحرير سعر الدولار الجمركي، وإنشاء وحدة للشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتشكيل اللجنة العليا للمناقصات، ومكافحة الازدواج الوظيفي، وتنظيم المشاركات الخارجية، ومنع الجبايات غير القانونية. علم الاقتصاد


هذه القرارات مثلت بداية إصلاح حقيقي للإدارة المالية للدولة، لأنها تستهدف مكامن الخلل المزمنة، وتعمل على رفع كفاءة التحصيل، وترشيد الإنفاق، وتعزيز الشفافية.

كما أن تشكيل اللجنة العليا للمناقصات يمثل، بحسب مختصين، خطوة مهمة نحو إعادة الانضباط إلى إدارة المشاريع العامة، وتعزيز الرقابة على المال العام.


رئيس الحكومة في الميدان


منذ وصوله الى عدن لم يغادرها إلا في مهمات رسمية كانت الأولى الى تركيا ثم الرياض والقاهرة والأردن والعودة الى عدن بعد انتهاء المهمة وما يلفت الانتباه في تجربة الأشهر الأربعة الأولى الحرص الذي يبديه رئيس الوزراء على متابعة القرارات التي اتخذتها الحكومة والإشراف على تنفيذها ميدانياً.

زيارات رئيس مجلس الوزراء الميدانية شملت مختلف الوزارات والقطاعات شملت وزارة المالية والداخلية، والخدمة المدنية، والصحة، والصناعة والتجارة، والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، إضافة إلى تفقد مشاريع إعلامية وخدمية في العاصمة المؤقتة عدن. كما عقد لقاءات موسعة مع الأكاديميين، والقطاع الخاص، والغرف التجارية، والإعلاميين، ومنظمات المجتمع المدني، في إطار توسيع دائرة الشراكة مع مختلف مكونات المجتمع.

لم تكن هذه الزيارات بروتوكولية انما تعمد دولة رئيس مجلس الوزراء الوقوف المباشر على مستوى الأداء، والاستماع إلى التحديات، وتسريع اتخاذ القرارات المناسبة.


الكهرباء.. وجه الحكومة


ظل ملف الكهرباء لسنوات طويلة ولايزال أحد أكثر الملفات تعقيداً، وتحول إلى عنوان دائم لمعاناة المواطنين، استطاعت الحكومة توقيع اتفاقية الدعم السعودي في الرياض بقيمة 150 مليون دولار لتوفير الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، وهو ما انعكس على تحسن نسبي في ساعات التشغيل في العاصمة المؤقتة عدن وعدد من المحافظات المحررة.العرب وشعوب الشرق الأوسط

ملف الكهرباء يحظى باهتمام كبير من قبل الحكومة وتحدث رئيس الوزراء في أكثر من مناسبة أن الحكومة تعمل وفق مسارين متوازيين:

أولهما تنفيذ حلول إسعافية عاجلة للتخفيف من معاناة المواطنين خلال فصل الصيف

وثانيهما المضي في حلول استراتيجية ومستدامة تشمل تطوير المحطات القائمة، والتوسع في مشاريع الطاقة الشمسية، وإنشاء محطة غازية بقدرة ألف ميجاواط بالشراكة مع القطاع الخاص.

الدكتور الزنداني قال أن أزمة الكهرباء ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج سنوات من الإهمال وتوقف أعمال الصيانة، مؤكداً أن الحكومة لن تكتفي بإدارة الأزمة، وإنما تعمل على معالجة جذورها رغم محدودية الموارد والظروف الاقتصادية الصعبة.


الأمن.. تجاوز المتوقع

في موازاة الإصلاحات الاقتصادية، أولت الحكومة اهتماماً واضحاً بتعزيز الأمن، باعتباره الشرط الأساسي لأي عملية تنمية أو استثمار. وخلال فترة وجيزة، تمكنت الأجهزة الأمنية من تحقيق نجاحات نوعية، إضافة الى تثبيت حالة الاستقرار شملت ضبط المتهمين الرئيسيين في عدد من القضايا الجنائية والإرهابية، من بينها قضية اغتيال الدكتور عبدالرحمن الشاعر، والقبض على عناصر خلية إرهابية كانت تخطط لتنفيذ عمليات اغتيال، وضبط متورطين في قضية اختطاف واغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية بعدن وكشف الجناة إضافة إلى القبض على المتهم الرئيسي في قضية اغتيال موظف اللجنة الدولية للصليب الأحمر حنا لحود بعد 8 سنوات من وقوع الجريمة. كما أقرت الحكومة إنشاء نظام رقمي متكامل للقوى البشرية في وزارة الداخلية لتعزيز الكفاءة والانضباط.


حضور دبلوماسي واسع

إلى جانب رئاسته للحكومة، يقود الدكتور شائع الزنداني وزارة الخارجية، وهو ما أتاح قدراً أكبر من التنسيق بين القرار السياسي والاقتصادي والدبلوماسي واستمرار أعمال الإصلاح المؤسسي في الدبلوماسية اليمنية.سياسة

وخلال أربعة أشهر فقط، شاركت اليمن بفاعلية في عدد من المحافل الإقليمية والدولية، كان أبرزها منتدى أنطاليا الدبلوماسي، وانعقاد الدورة التاسعة للحوار الاستراتيجي اليمني المصري، واجتماعات جامعة الدول العربية، إضافة إلى استضافة احتفال يوم أوروبا في العاصمة المؤقتة عدن لأول مرة منذ اثني عشر عاماً، وتسلم أوراق اعتماد عدد من السفراء، في رسالة تعكس تنامي الثقة الدولية بالحكومة وعودة النشاط الدبلوماسي إلى الداخل.

احتفاظ الدكتور شائع الزنداني بحقيبة الخارجية منح الحكومة قدرة أكبر على توحيد الرسائل السياسية والاقتصادية، وربط التحرك الخارجي باحتياجات الداخل، سواء في حشد الدعم أو تعزيز الشراكات أو استقطاب المساندة الدولية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي.


استعادة ثقة الشركاء

لا تقاس الثقة الدولية بعدد البيانات الصادرة، وإنما بحجم التعاون الذي تحققه الحكومة مع شركائها. وخلال الفترة الماضية، كثفت الحكومة تواصلها مع المؤسسات المالية والدول المانحة، وحرصت على تقديم رؤية واضحة للإصلاحات، وهو ما انعكس في استمرار الدعم الدولي، وفي مقدمة ذلك الدعم السعودي لملف الرواتب وقطاع الكهرباء، إضافة إلى استكمال مشاورات المادة الرابعة مع البنك الدولي وتنامي الحضور الدبلوماسي في عدن.

المجتمع الدولي أصبح اليوم أكثر اهتماماً بدعم الحكومات التي تقدم برامج واضحة للإصلاح، وتربط طلبات الدعم بخطط قابلة للتنفيذ، وهو ما عملت حكومة الزنداني على ترسيخه منذ أيامها الأولى.


لماذا يراهن كثيرون على حكومة الزنداني؟

في التجربة اليمنية خلال السنوات الماضية، لم يكن نقص القرارات هو المشكلة، بل غياب القدرة على تحويل تلك القرارات إلى واقع ملموس. فقد تعاقبت الحكومات، وتغير الوزراء، وصدر كثير من التوجيهات، لكن المواطن ظل يبحث عن الدولة التي تحضر في حياته اليومية، وتحمي حقوقه، وتدير مؤسساتها بكفاءة، وتعمل من أجل فرض سلطة القانون على الجميع.العرب وشعوب الشرق الأوسط

هذه الفلسفة التي تنتهجها الحكومة اليوم تعكس خبرة سياسية وإدارية تراكمت لدى الدكتور الزنداني خلال سنوات طويلة من العمل الدبلوماسي والسياسي، حيث يدرك أن بناء الدولة يبدأ من مؤسساتها، وأن استعادة ثقة المواطن لا تتحقق بالشعارات، وإنما بإجراءات يشعر بها الناس في حياتهم اليومية.

من الطبيعي ألا تكون أربعة أشهر كافية لتقييم حكومة بشكل نهائي، خاصة في بلد يعيش واحدة من أعقد الأزمات في العالم. لكن من الإنصاف أيضاً الاعتراف بأن هذه الفترة شهدت تحولات لافتة، سواء في طريقة إدارة الملفات، أو في حجم الإصلاحات التي أطلقتها الحكومة، أو في استعادة النشاط المؤسسي داخل أجهزة الدولة.


ويجمع كثير من المراقبين على أن نجاح الحكومة لا ينبغي أن يقاس فقط بما تحقق خلال الأشهر الأولى، وإنما بقدرتها على الاستمرار في تنفيذ برنامجها، والحفاظ على وتيرة الإصلاح، وعدم التراجع أمام الضغوط السياسية والاقتصادية.

ورغم أن الطريق لا يزال طويلاً، فإن ما تحقق خلال الأشهر الأربعة الأولى يشير إلى أن الحكومة وضعت نفسها على مسار مختلف، عنوانه الإصلاح المؤسسي، واستعادة فاعلية الدولة، وتعزيز سيادة القانون.

استعادة روح الدولة

قد تختلف الآراء حول السياسات أو الأولويات، والمواقف الا إن الدكتور شائع الزنداني أعاد إلى رئاسة الحكومة فكرة كانت غائبة لسنوات، وهي أن الدولة لا تُبنى بالقرارات وحدها، وإنما ببناء المؤسسات، وترسيخ ثقافة الانضباط، وتحويل الإصلاح من شعار سياسي إلى ممارسة يومية.

فإذا نجحت الحكومة في الحفاظ على هذا المسار، واستكمال ما بدأته من إصلاحات، فإن الأشهر الأربعة الأولى لن تُقرأ مستقبلاً باعتبارها مجرد بداية لحكومة جديدة، بل باعتبارها نقطة تحول في مسار استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها.