لماذا فرنسا في الحسابات السعودية؟
بقلم: د. فهيد العجمي
في العلاقات الدولية لا تُختار الشراكات الكبرى بالمجاملة، بل بحجم ما تضيفه إلى مصالح الدولة وقدرتها على تحقيق أهدافها. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة الحضور الفرنسي في الحسابات السعودية؛ فباريس بالنسبة للرياض ليست مجرد عاصمة أوروبية مهمة، وإنما دولة تمتلك قدرات وخبرات تتقاطع مع عدد من القطاعات التي تراهن عليها المملكة في مرحلة التحول الحالية.
السعودية اليوم تبني اقتصادًا أكثر تنوعًا، ولذلك تبحث عن الشريك الذي يستطيع أن يضيف قيمة حقيقية. وفرنسا تمتلك ثقلاً في صناعة الطيران والنقل والطاقة والتقنية والصناعات الدفاعية، إلى جانب خبرتها المعروفة في الثقافة والسياحة وإدارة المواقع التاريخية. وهذه المجالات تحديدًا تمثل أجزاء مهمة من المشهد التنموي السعودي الجديد.
لكن الأهم أن الرياض لا تنظر إلى هذه الخبرات باعتبارها خدمات تُشترى فحسب، بل كفرصة لبناء قدرات داخل المملكة. فالمعيار الحقيقي لأي شراكة ناجحة أصبح مرتبطًا بما تحققه من استثمار وتوطين للصناعة ونقل للتقنية والمعرفة وتأهيل للكفاءات الوطنية، بحيث تتحول العلاقة الخارجية إلى قيمة مضافة للاقتصاد والمجتمع.
وفي الجانب الأمني، يمتلك البلدان تاريخًا من التعاون في ملفات الدفاع والأمن البحري ومكافحة الإرهاب، وهو مسار يمنح العلاقة بُعدًا استراتيجيًا يتجاوز الاقتصاد. وفي الطاقة، تتسع المساحة أمام تعاون جديد يشمل الطاقة المتجددة والهيدروجين والتقنيات المرتبطة بالتحول العالمي في هذا القطاع.
حتى الثقافة والسياحة لم تعودا ملفين هامشيين؛ فمع ما تشهده المملكة من مشاريع كبرى، تصبح الخبرة الدولية أداة للاستفادة والتطوير، مع بقاء الهوية السعودية هي الأساس والمرجعية.
لهذا فإن السؤال ليس: لماذا تتعاون السعودية مع فرنسا؟ بل: ماذا تستطيع هذه العلاقة أن تضيف إلى المشروع السعودي؟
والإجابة تحددها المصلحة الوطنية. فالمملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظه الله، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء، تبني شبكة علاقاتها الدولية بمنطق واضح: شراكات تخدم الاقتصاد، وتنقل المعرفة، وتعزز الأمن، وتفتح فرصًا جديدة أمام الوطن والمواطن.
وهنا تكمن قيمة فرنسا في المعادلة السعودية؛ ليست العلاقة غاية بحد ذاتها، وإنما ما تستطيع أن تنتجه من مكاسب هو الذي يمنحها وزنها الحقيقي.