رئيس الوزراء خلال سبتمبر.. حراك شامل واستنفار يواكب التطورات الميدانية والسياسية
لم يكن سبتمبر 2026 شهراً عادياً في أجندة الحكومة اليمنية، بل تحوّل إلى غرفة عمليات مفتوحة على كافة المستويات، والتحركات والقرارات والاتصالات التي قادها رئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع محسن الزنداني، في لحظة فارقة من عمر الدولة اليمنية.
ففي ظل تصاعد المواجهات العسكرية واتساع رقعة النزوح وتزايد الضغوط الإنسانية، بدا الزنداني وكأنه يقود غرفة عمليات مفتوحة على كل الجبهات؛ "العسكرية، والإنسانية، والدبلوماسية، والخدمية".
هذا النشاط المكثف لم يقتصر على الداخل اليمني، بل امتد إلى العواصم والبعثات الدولية، في محاولة لربط معركة استعادة الدولة بأمن المنطقة والملاحة الدولية، ومع ذلك، لم يغفل رئيس الوزراء الملفات المدنية والخدمية، فظل التعليم والموارد المحلية والجرحى والنازحون جزءاً من جدول أعماله اليومي، ليعكس صورة حكومة تحاول أن تبقى واقفة وسط العاصفة.
إنه شهرٌ يمكن وصفه بأنه اختبار مزدوج: إدارة التصعيد العسكري من جهة، وتثبيت مؤسسات الدولة من جهة أخرى، في معركة وجودية تتجاوز حدود اليمن إلى الإقليم والعالم.
ومن خلال تتبع أنشطة وتحركات رئيس الوزراء خلال سبتمبر الجاري، يتضح أن الرجل عمل كخلية نحل على مختلف الأصعدة، مركزاً بصورة رئيسية على متابعة التصعيد العسكري، وتعزيز أداء مؤسسات الدولة، والتعامل مع الأوضاع الإنسانية الناتجة عن المواجهات كع مليشيا الحوثي الانقلابية، إلى جانب تكثيف الاتصالات والتحركات الدبلوماسية لحشد الدعم الدولي للحكومة.
وقد برزت عدة ملفات رئيسية في تحركاته، في مقدمتها الوضع العسكري والأمني، والنازحون، والجرحى، والتعليم، والموارد المحلية، والعلاقات مع الشركاء الإقليميين والدوليين.
التصعيد العسكري في صدارة التحركات
لم يكن أمام رئيس الوزراء سوى أن يضع الجبهات في قلب أجندته اليومية، فالاتصالات بالقيادات العسكرية والمحافظين باتت تسبق أي ملف آخر.
مع تصاعد المواجهات في عدد من الجبهات، كثّف الزنداني اتصالاته مع المحافظين والقيادات العسكرية والأمنية لمتابعة التطورات الميدانية أولاً بأول. ففي الثالث من سبتمبر، أجرى اتصالات بمحافظي تعز والحديدة للاطلاع على المستجدات في مناطق المواجهات، موجهاً برفع مستوى الجاهزية وتعزيز التنسيق بين السلطات المحلية والقيادات العسكرية والأمنية، مع التأكيد على حماية المدنيين والمنشآت الحيوية واستمرار الخدمات الأساسية.
وفي العاشر من الشهر، بحث الزنداني مع قيادات وشخصيات اجتماعية من محافظة إب التطورات الميدانية، مؤكداً دعم القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الجاهزية والاستفادة من الدروس الميدانية في تطوير آليات الإسناد. كما شارك في اجتماع لمجلس الدفاع الوطني ناقش التطورات العسكرية والأمنية وتداعيات التصعيد على الأمن الوطني والإقليمي والممرات المائية.
وفي الثاني عشر من سبتمبر، ترأس اجتماعاً لمجلس الوزراء في العاصمة المؤقتة عدن، خُصص لمناقشة المستجدات العسكرية والسياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية، إلى جانب الإجراءات الحكومية المطلوبة للتعامل مع تداعيات التصعيد وضمان استمرار مؤسسات الدولة والخدمات.
النازحون والاحتياجات الإنسانية
مع كل موجة تصعيد، كانت موجات النزوح تطرق أبواب الحكومة، ليصبح الملف الإنساني اختباراً يومياً لا يحتمل التأجيل.
فرضت موجات النزوح الناتجة عن المواجهات ملفاً إنسانياً ضاغطاً على جدول أعمال الحكومة خلال الشهر. ففي الرابع عشر من سبتمبر، استقبل رئيس الوزراء محافظ الحديدة، واطلع على أوضاع المحافظة وحركة النزوح والاحتياجات العاجلة للأسر التي غادرت مناطقها نتيجة التصعيد، موجهاً بمضاعفة الجهود الحكومية لاستقبال النازحين وتوفير احتياجاتهم الأساسية.
كما ناقش خلال لقاءاته مع قيادات وشخصيات من محافظة تعز أوضاع الأسر النازحة والمتضررة، مؤكداً أهمية استمرار الاستجابة الحكومية والإنسانية للمناطق المتأثرة بالمواجهات، كما لم يغب ملف الجرحى عن المشهد عن اهتمامات رئيس الوزراء، إذ زار في السادس والعشرين من سبتمبر مستشفى عبود العسكري في عدن، وتفقد جرحى القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية، واطلع على مستوى الرعاية الطبية المقدمة لهم واحتياجاتهم.
حراك دبلوماسي لا يتوقف تزامنا مع التصعيد
وسط لهيب المعارك الداخلية، ظل هناك ساحة أخرى لا تقل أهمية؛ الخارج، حيث تسعى الحكومة لإيصال صوتها للأقليم والعالم وحشد الدعم.
لم يقتصر نشاط رئيس الوزراء خلال سبتمبر على الملفات الداخلية، إذ شهد الشهر سلسلة من اللقاءات والاتصالات مع مسؤولين وسفراء وممثلين دوليين. ففي السابع عشر من سبتمبر، تابع الزنداني نتائج التحركات الدبلوماسية للحكومة واتصالات وزارة الخارجية، موجهاً بتكثيف التحرك الخارجي وإيصال صورة موثقة عن التطورات في اليمن وتداعيات التصعيد على البحر الأحمر وباب المندب.
وفي الثاني والعشرين من سبتمبر، بحث مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستيفن دوتي التطورات في اليمن والمنطقة وانعكاسات التصعيد على أمن المنطقة والملاحة الدولية. وفي اليوم التالي، التقى سفيري الاتحاد الأوروبي وهولندا لدى اليمن، وبحث معهما مجالات التعاون والدعم السياسي والتنموي والإنساني للحكومة، إضافة إلى أوضاع النازحين والمتضررين.
واختتم الشهر باتصال مرئي في الثامن والعشرين من سبتمبر مع سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن عبدة شريف، تناول مستجدات الأوضاع الوطنية والإقليمية وتطورات التصعيد العسكري، إلى جانب الدعم البريطاني للحكومة وأمن الملاحة الدولية.
متابعة أداء المؤسسات والخدمات
رغم أن الملف العسكري كان في قلب المشهد، لم تغب محاولات إبقاء عجلة الدولة تدور ولو بخطوات محسوبة. وبالقدر الذي فرض فيه هذا الملف نفسه على المشهد، واصل رئيس الوزراء متابعة عدد من الملفات الإدارية والخدمية، فقد أعلنت وزارة الإدارة المحلية تنفيذ توجيهات الزنداني بشأن توزيع مستحقات الوحدات الإدارية من الموارد العامة المشتركة، حيث جرى توزيع ملياري ريال على الوحدات الإدارية في المحافظات والمديريات المحررة عن النصف الأول من العام 2026، في خطوة لتعزيز موارد السلطات المحلية ودعم قدرتها على القيام بمهامها الخدمية في المحافظات المحررة.
التعليم واستيعاب الطلاب النازحين
مع انطلاق العام الدراسي الجديد، وجد رئيس الوزراء نفسه أمام ملف لا يحتمل التأخير: كيف يستمر التعليم وسط النزوح والتصعيد؟ وهو السؤال الذي دفعه إلى زيارة وزارة التربية والتعليم في الثاني والعشرين من سبتمبر، حيث اطلع على سير العملية التعليمية مع انطلاق العام الدراسي الجديد، وأوضاع المدارس والمعلمين والطلاب والاحتياجات ذات الأولوية، ووجه خلال الزيارة بالعمل على تعزيز أداء الوزارة وضمان استمرار العملية التعليمية، مع الاهتمام باستيعاب الطلاب النازحين نتيجة الأحداث العسكرية في عدد من المحافظات.
التنسيق مع السلطة التشريعية
وفي إطار التنسيق بين مؤسسات الدولة، التقى الزنداني في الخامس عشر من سبتمبر نائب رئيس مجلس النواب محمد الشدادي، حيث تناول اللقاء التنسيق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وتوحيد الجهود في مواجهة التطورات العسكرية والسياسية، إلى جانب الملفات المرتبطة بالنازحين والمتضررين ودعم مؤسسات الدولة.
السعودية.. علاقة استراتيجية متجددة
لم تكن العلاقة مع السعودية وليدة اللحظة، بل هي رصيد تراكمي راكمه الزنداني خلال سنوات عمله سفيراً لليمن لدى الرياض، لتظل حاضراً استراتيجياً يتجدد مع كل استحقاق. فحضور ملف العلاقات اليمنية السعودية ضمن تحركات رئيس الوزراء خلال الشهر لم يكن حضوراً طارئاً أو جديداً، بل امتداداً لعلاقة استراتيجية راسخة راكمها الزنداني عبر سنوات طويلة من عمله سفيراً لليمن لدى المملكة العربية السعودية، تجلّت في الثاني والعشرين من سبتمبر، حين بعث برقية تهنئة إلى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بمناسبة اليوم الوطني السعودي، مشيداً بالعلاقات الثنائية والدعم السعودي لليمن في المجالات السياسية والاقتصادية والإنسانية والتنموية، في تأكيد على أن هذه العلاقة تظل قديمة متجددة، لا وليدة مناسبة عابرة.
سبتمبر.. شهر الموازنة بين الحرب والدولة
ما بين الجبهات والاجتماعات، والنزوح والدبلوماسية، يعد سبتمبر 2026 شهراً استثنائياً في أجندة رئيس الوزراء، اختُبرت فيه قدرة حكومته على إدارة المشهد بجدارة والتحكم فيه.
ووفق تتبع نشاط رئيس الوزراء خلال سبتمبر، نجده تركز على إدارة العديد من الملفات المتزامنة، في مقدمتها التصعيد العسكري الذي بدأته مليشيا الحوثي الانقلابية، وما استدعى ذلك من رد حازم وحاسم من قبل الحكومة اليمنية، ومتابعة الجبهات واحتياجاتها، والتعامل مع موجات النزوح، ورعاية الجرحى، والحفاظ على استمرار الخدمات، والتحرك الدبلوماسي، وتعزيز التنسيق بين مختلف مؤسسات الدولة.
كما عكست تحركاته محاولة إبقاء الملفات المدنية والخدمية حاضرة بالتوازي مع التطورات العسكرية، خصوصاً في ظل اتساع المواجهات وتداعياتها على السكان والنازحين والمؤسسات الحكومية.
وشملت اجتماعات واتصالات د. الزنداني المحافظات والجبهات والملفات العسكرية والأمنية، وكذلك الوزارات والمؤسسات الحكومية، مروراً بالملف الإنساني والتعليمي، وصولاً إلى العواصم والبعثات الدبلوماسية والشركاء الدوليين.
وتقدم هذه التحركات النشطة صورة واضحة عن أجندة الحكومة خلال سبتمبر، والتي طغى عليها مواكبة التصعيد العسكري، مع استمرار العمل على الملفات الخدمية والاقتصادية والإنسانية والدبلوماسية، في محاولة للحفاظ على أداء مؤسسات الدولة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
لقد كان سبتمبر شهراً مثقلاً بالمهام والأنشطة المختلفة، حاول فيه الزنداني أن يوازن بين إدارة الحرب وتثبيت الدولة، في معركة وجودية تتجاوز حدود اليمن إلى الإقليم والعالم، ليبقى السؤال مفتوحاً: هل تستطيع الحكومة الحفاظ على هذا النسق المكثف وسط تصاعد التحديات؟