فيصل بارشيد.. سيرة رجل صنعت مكانته أخلاقه ومواقفه
زايد بارشيد
بعض الرجال لا تحتاج إلى سنوات طويلة لتعرف معدنهم، يكفي أن تجلس إليهم مرة واحدة لتشعر أنك تعرفهم منذ عمر، وأن بينك وبينهم مودة قديمة لم تصنعها الأيام، وإنما صنعتها طيبة النفوس وصفاء القلوب، وهكذا كان العم فيصل عبدالله محمد بازعيبان بارشيد، ذلك الرجل الذي لم تكن تحتاج معه إلى مقدمات التعارف ولا إلى تكلف الحديث، فما إن تجالسه حتى يفتح لك قلبه قبل مجلسه، ويمنحك من الاهتمام ما يجعلك تظن أنك أقرب الناس إليه، ثم تكتشف أن كل من عرفه يحمل الشعور نفسه، وكأن الله وهبه قدرة عجيبة على أن يجعل لكل إنسان مكانة خاصة في قلبه، لم يكن ممن يزنون الناس بمناصبهم أو أموالهم أو وجاهتهم، ولم يكن يفرق في مجالسه بين صغير وكبير، أو غني وفقير، أو عاقل ومن اختلت مداركه، فقد كان يمنح أبسط الناس من التقدير ما قد لا يجده عند غيره أصحاب المناصب والجاه، يجلس مع الصغير فينصت إليه وكأنه يستمع إلى حكيم، ويحادث من يصفه الناس بالمجنون فيحفظ له إنسانيته وكرامته، ويستقبل الكبير بما يليق بمقامه، حتى يخيل إليك أن هذا الرجل لم يتعلم محبة الناس من الكتب، وإنما ولد وفي قلبه متسع للجميع، وتلك والله منزلة لا يبلغها المرء بكثرة المال ولا باتساع النفوذ، وإنما يبلغها حين يكون الإنسان في داخله أكبر من كل الألقاب التي يحملها، ولعل أكثر ما كان يميز العم فيصل تلك البساطة التي لا تشبه بساطة المتكلفين، والتواضع الذي لا يبحث صاحبه عن ثناء، فقد كان مثقفاً واسع الإدراك، حصيف الرأي، قريباً من الناس، لا يتصنع الوقار ولا يستعير الهيبة من مكانته الاجتماعية، لأن هيبته الحقيقية كانت في أخلاقه، ومحبته في القلوب كانت أصدق من كل مظاهر التبجيل، ومن يعرف بدايات حياته يدرك أن هذا الرجل لم تصنعه الراحة، فقد بدأت رحلته التعليمية في مدرسة البادية بمدينة المكلا، وكان من الطلاب المجتهدين المتفوقين بين زملائه، ومنهم الأستاذ سالم أحمد الخنبشي، عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت حالياً، ثم واصل تعليمه في المدرسة الوسطى بغيل باوزير، وارتبطت رحلته الدراسية أيضاً بمنطقة الجحي في مديرية دوعن لقربها من مسقط رأسه الحيسر، قبل أن تدفعه الظروف الاجتماعية إلى مغادرة مقاعد الدراسة والاتجاه نحو الغربة في المملكة العربية السعودية، وهناك بدأت مرحلة أخرى من حياته، عمل خلالها في مشاريع رجل الأعمال أحمد محمد بغلف، واستطاع بما امتلكه من جد واجتهاد وأمانة أن يحقق نجاحاً في ميدان الأعمال، غير أن أجمل ما في حكايته أن الغربة لم تنتزع منه انتماءه، وأن النجاح لم يغير طباعه، وأن المال لم يصنع بينه وبين الناس جداراً، فقد ظل ذلك الرجل الحضرمي الأصيل الذي يحمل أهله في قلبه أينما ذهب، ويعرف أن قيمة ما يجمعه الإنسان لا تكمن فيما يحتفظ به لنفسه، وإنما فيما يتركه من خير في حياة الآخرين، ولهذا امتدت أياديه إلى بناء المساجد وحفر الآبار في المناطق النائية، وإعانة المرضى ومساعدة المحتاجين، وكانت له بصمات خيرية وإنسانية في الحيسر ولبنة وضواحيهما وغيرها من المناطق، أعمال ربما يعرف الناس بعضها وتبقى أخرى بينه وبين ربه، ولست أدري أيهما أعظم في سيرة هذا الرجل، ما قدمته يداه من إحسان، أم ما تركته روحه من محبة في صدور الناس، فكم من صاحب مال رحل ولم يفتقده إلا أهله، وكم من صاحب جاه غاب فانتهى ذكره بانتهاء مجلسه، أما العم فيصل فقد كان من أولئك الذين إذا غابوا افتقدتهم المجالس، وإذا ذُكروا حضرت المواقف، وإذا رحلوا شعر الناس أن شيئاً من دفء الحياة قد انطفأ، ولم تكن محبته لحضرموت مجرد عاطفة يرددها في المناسبات، فقد عرف بمواقفه الثابتة تجاه قضاياها وحقوق أهلها، وحين مرت حضرموت بأحداثها الأخيرة وما صاحبها من توترات، كان من أوائل رجال نوح الذين سعوا إلى احتواء الأزمة وتقريب وجهات النظر والبحث عن حلول تجنب المجتمع مزيداً من الانقسام، وكان يدرك بحكمته وتجربته أن الأوطان لا تحتاج في أوقات المحن إلى من يزيد النار اشتعالاً، وإنما إلى رجال يملكون شجاعة الموقف ورجاحة العقل وصدق النية، ولعل هذه المواقف تكشف جانباً آخر من شخصيته، فهو الذي عرف كيف يكون ليناً في تعامله مع الناس، كان يعرف أيضاً كيف يكون ثابتاً حين يتعلق الأمر بما يؤمن به، يجمع بين رقة القلب وصلابة المبدأ، وبين التواضع في المجلس والاعتزاز بالحق، وبين محبة قبيلته والانفتاح على سائر أبناء مجتمعه، ولذلك لم تكن مكانته بين آل بارشيد وقبائل نوح وأبناء حضرموت مكانة وجاهة قبلية فحسب، وإنما مكانة رجل صنع احترامه بما قدمه من مواقف وأعمال، وكم هو مؤلم أن نتحدث اليوم عن العم فيصل بصيغة الماضي، وأن يصبح الرجل الذي اعتدنا حضوره خبراً للفقد، وأن نبحث عن ملامحه في الذاكرة بعدما كانت أمامنا، فقد رحل يوم الجمعة الثالث والعشرين من أكتوبر 2026م بمدينة المكلا، ورحل معه ذلك الوجه البشوش والقلب الذي اتسع للناس جميعاً، لكنني كلما تأملت سيرته وجدت أن بعض الرجال لا يغادروننا تماماً، لأنهم يتركون من أنفسهم شيئاً في كل من عرفهم، وأحسب أن العم فيصل واحد من هؤلاء، فما أصعب أن تفقد رجلاً كنت تشعر وأنت تجالسه أنه لا يرى في الدنيا أحداً أقرب إليه منك، ثم تدرك بعد رحيله أن المئات كانوا يشعرون الشعور ذاته، هنا فقط تعرف كم كان قلبه كبيراً، وكم كانت روحه غنية، وكم كان حضوره استثنائياً، لقد رحلت يا عم فيصل، وتركت لنا سؤالاً موجعاً: كيف يستطيع رجل واحد أن يزرع كل هذه المحبة في قلوب الناس؟ وكيف يمكن لإنسان أن يكون قريباً من الجميع دون أن يفقد خصوصية قربه من كل واحد منهم؟ ولعل الجواب أنك لم تكن تتعامل مع الناس بما يملكون، وإنما بما يستحقونه من كرامة ومحبة، ولم تكن تمنحهم من فائض وقتك، وإنما من صدق اهتمامك، ولم تكن تبحث عن مكان في صدورهم، فقد فتحت لهم صدرك فأسكنوك قلوبهم، واليوم ونحن نودعك، لا أجد في الكلمات ما يفيك حقك، ولا في الرثاء ما يصف حجم الفراغ الذي تركته، وأدرك أن الموت لا يأخذ منا الأشخاص وحدهم، وإنما كان واحداً من أولئك النادرين الذين يجعلونك تحب الحياة لأنك عرفتهم، ثم يجعلونك تشعر بفداحة الغياب حين تفقدهم، فما أقسى أن يرحل الذين أحببناهم لطيبة قلوبهم، وما أشد وجع الفقد حين يأخذ الموت من بيننا إنساناً كنا نرى في حضوره شيئاً من جمال هذه الدنيا، يا عم فيصل، لم نكن نعلم أن الأيام التي جمعتنا بك ستصبح ذكريات نتشبث بها كلما أوجعنا الحنين، وأن الأحاديث التي كانت تمر بيننا بعفويتها ستغدو أمنيات نتمنى لو عادت ولو للحظة، وأن ابتسامتك التي ألفناها ستصبح وجعاً كلما مرت صورتك أمام أعيننا، لقد رحلت وتركت في القلوب فراغاً لا يملؤه أحد، وفي المجالس غياباً لا يعوضه حضور، وفي نفوس محبيك حزناً لا تقوى الكلمات على وصفه، ولعل أشد ما يؤلمنا في رحيل الطيبين أننا لا ندرك حجم ما كانوا يمنحوننا من دفء وطمأنينة إلا حين نفقدهم، وحين نبحث عنهم في الأماكن التي اعتادت وجوههم فلا نجد سوى الذكريات، وستبقى أيام جمعتنا بك ولن تعود، وصوت ألفناه ولن نسمعه، ووجه أحببناه ولن تكتحل أعيننا برؤيته، وقلب أحب الناس فأحبوه، ويد امتدت بالخير حتى أتاها الموت، رحمك الله يا عم فيصل، وجعل إحسانك إلى الناس نوراً يؤنس وحشتك، ورفع مقامك في عليين، وجبر قلوباً أوجعها رحيلك، فما أثقل الفقد حين يغيب الطيبون، وما أعجز الكلمات حين يكون الراحل مثلك.