قصة المال المفقود بين نخوة المجتمع ودهاء النصب: تساؤلات مشروعة أم سوء ظن؟

قصة المال المفقود بين نخوة المجتمع ودهاء النصب: تساؤلات مشروعة أم سوء ظن؟
السدة نيوز

 

في الأيام القليلة الماضية، ضجت منصات التواصل الاجتماعي بقصة شاب يفقد مبلغ كبير من المال ليس ملك له ، وسائق دراجة نارية واعاد المال لصاحبه بعد أن فقده في زحام الشارع. انهمرت الإشادات، وتسابقت الأيادي لتقديم المكافآت، وتحول الشاب إلى "أيقونة" للأمانة في زمن الصعاب.
ولكن، بعيداً عن ضجيج التصفيق وعاطفة "النخوة" التي نعتز بها كيمنيين، هل تسمحون لنا أن نضع هذه الحادثة تحت مجهر "التفكير النقدي"؟ 
ليس تشكيكاً في ذمم الناس، بل حمايةً لوعي المجتمع من أن يُستغل تحت مسمى "الفضيلة".
أولاً : سيكولوجية الحشد: لماذا نصدق فوراً؟
نحن مجتمع يمني عاطفي بطبعه، نعشق قصص "البطل البسيط" الذي يهزم إغراء المال. هذا النوع من القصص يعمل كـ "مخدر موضعي" لآلام الواقع؛ فنحن نريد أن نصدق أن الخير لا يزال موجوداً. هذا ما يسمى بـ "الانحياز التأكيدي"، حيث نرفض أي معلومة تخدش الصورة الجميلة التي رسمناها في خيالنا.
ثانياً : تحليل "الثقوب السوداء" في الرواية (لماذا نشك؟)
بمنطق الوعي الأمني والاجتماعي، هناك تفاصيل تثير التساؤل:
 ▪️ لوجستيات المال: من يحمل مال ضخم جداً  في كيس وهو يركب دراجة نارية أو يمشي في الشارع؟ هذا المبلغ له "ثقل" مادي وقيمة تجعل صاحبه في حالة استنفار حسي قصوى. سقوطه "بسهولة" ثم اكتشاف الضياع "بعد فوات الأوان" هو سيناريو كلاسيكي في أفلام السينما، لكنه نادر جداً في واقع الأسواق.
 ▪️ سلوك "الضحية" المريب: المثير للدهشة ليس إعادة الشاب المال لمن فقده ، بل هو "اندفاع" صاحب المال لمناشدة التجار ورجال الأعمال بدعم الشاب المنفذ مالياً!
 ▪️"هندسة التعاطف" 
في عالم الاحتيال الحديث، يدرك المحتالون أن "طلب المال مباشرة" لم يعد ينجح. البديل هو "صناعة بطل".
تخيل لو اتفق (أ) و (ب) على مسرحية: (أ) يدعي ضياع المال، (ب) يظهر كمنقذ أمين. المجتمع سيقوم آلياً بدور "الممول". في النهاية، المكافآت التي سيحصدها "المنقذ" من التجار والناس قد تفوق المبلغ الأصلي بمرات، ويتم تقاسم "الغنائم" خلف الكواليس.
▪️ كيف نميز بين "الحقيقة" و "النصبة الكبرى"؟
لحماية المجتمع، يجب ألا تمر هذه القصص دون "فلاتر" رسمية:
 1. إثبات المصدر: هل يمتلك صاحب المال وثيقة سحب بنكي أو عقد بيع أو سند قبض بهذا المبلغ في نفس يوم الحادثة؟ إذا لم يوجد "أثر ورقي" للمال، فالقصة مشكوك فيها.
 2. محاولة البحث  لكشف "الارتباط المسبق": تكنولوجيا الاتصالات لا تكذب. هل هناك مكالمات أو رسائل سابقة بين الطرفين؟ هل يجمعهما سكن واحد أو منطقة واحدة؟
 3. دور الدولة: هنا يأتي دور البحث الجنائي. لا يجب ترك "التريند" يقود الشارع. التحقيق مع الطرفين ليس "اتهاماً" بل هو "حماية للفضيلة". إذا كانت القصة حقيقية، فالتحقيق سيؤكدها ويزيد من شأن البطل، وإذا كانت زيفاً، سيحمي أموال البسطاء من التجار والناس.
*كلمة أخيرة* بين القلب والعقل
إذا ثبت بالدليل القاطع أن   قصة المال حقيقية ، فمن يرجعه يستحق أن تُبنى له التماثيل في قلوبنا، ويجب تكريمه بمشاريع مستدامة (باص، منزل، محل تجاري) لضمان حياة كريمة له.
أما إذا صمتنا عن التساؤل، فإننا نفتح الباب لمئات القصص المفبركة غداً. سيضيع مال هذا، ويجده ذاك، وتستمر "مسرحيات الاستعطاف" حتى نفقد الثقة في الأمانة الحقيقية حين نراها.
الوعي هو درع المجتمع.. لا تجعلوا عواطفكم مطية للمحتالين.




المنصة الإعلامية اليمنية الأمريكية