دولة الإبادة تعزز وجهها العنصري بقانون إعدام المقاومين الفلسطينيين
بقلم: علي ناصر محمد
تابعنا، كما تابع العالم، قرار الكنيست الإسرائيلي بالمصادقة على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين؛ وهو قرار لا يمكن النظر إليه بوصفه إجراء تشريعياً عابراً، بل يمثل انحداراً خطيراً نحو تقنين الجريمة وإضفاء غطاء قانوني على القتل المنهجي. ويعكس هذا المسار طبيعة المرحلة التي تقودها حكومة اليمين المتطرف برئاسة بنيامين نتنياهو، حيث يتجلى السعي الواضح لنقل الصراع إلى مستويات أكثر قسوة، تتجاوز القمع إلى محاولة كسر إرادة الإنسان الفلسطيني وتصفيته.
لم تلجأ إسرائيل دولة الملاجئ، في تاريخها القصير، إلى عقوبة الإعدام إلا مرة واحدة بحق أدولف إيخمان عام 1962، بعد اختطافه من الأرجنتين. غير أن تبنّيها اليوم قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بأرضهم وعلى أرضهم يكشف بوضوح عن طبيعة نهجها، حيث تساوي بين المقاوم الفلسطيني والنازية، في مفارقة تفضح ممارساتها القائمة على القتل والتجويع والتطهير العرقي وإنكار إنسانية الفلسطيني.
إن هذا القانون لا يستهدف الأسرى بوصفهم أفرادًا فحسب، بل يستهدف رمزيتهم الوطنية ودورهم في صون الوعي الجمعي الفلسطيني، وفي مقدمتهم شخصيات نضالية بارزة مثل أحمد سعدات ومروان البرغوثي وعشرات الآلاف غيرهم. لقد شكّلت السجون، عبر عقود، مساحات لصياغة الإرادة الوطنية، الأمر الذي يدفع سلطات الاحتلال الصهيوني اليوم إلى محاولة تحويلها إلى ساحات إعدام، في سابقة تمثل انتهاكاً صارخاً لكل القيم الإنسانية.
ويضع هذا التوجه إسرائيل في مواجهة مباشرة مع قواعد القانون الدولي الإنساني، ويقوّض الأسس التي قامت عليها اتفاقيات جنيف، والتي وُجدت لحماية الإنسان، لا لتبرير قتله. كما أن الاستمرار في مثل هذه السياسات يهدد بتقويض منظومة القانون الدولي برمتها، ويفتح الباب أمام سوابق خطيرة في العلاقات الدولية.
وفي الوقت الذي صدرت فيه إدانات من الجامعة العربية وعدد من الدول، إلى جانب مواقف أوروبية وحقوقية رافضة، فإن الاكتفاء بلغة القلق، كما عبّرت عنه الولايات المتحدة، لا يرقى إلى مستوى الحدث، بل يثير تساؤلات جدية حول فاعلية النظام الدولي في مواجهة مثل هذه الانتهاكات.
وتزداد خطورة هذا القانون بالنظر إلى السياق الذي يأتي فيه، حيث تشهد الأراضي الفلسطينية منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023 تصعيدًا غير مسبوق، خلّف الآلاف من الشهداء، إضافة إلى أعداد كبيرة من الجرحى والمفقودين، بالتوازي مع تصاعد الانتهاكات داخل السجون، وازدياد أعداد المعتقلين، بمن فيهم النساء والأطفال، في ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من المعايير الإنسانية.
إننا أمام مشهد تتكامل فيه أدوات القوة مع أدوات التشريع، في محاولة لفرض واقع قسري يستهدف الإنسان والأرض معًا، بما يكشف بوضوح أن ما يجري ليس مجرد سياسات طارئة، بل امتدادٌ لمشروع متكامل يقوم على الاحتلال ومصادرة الحقوق، وهو مشروع ضارب في جذوره منذ المؤتمر الصهيوني الأول 1897 وحتى اليوم.
وأمام هذه التطورات، فإن الاكتفاء بالإدانة لم يعد كافيًا. فالدول العربية تمتلك من الأدوات السياسية والاقتصادية ما يمكّنها – إن توفرت الإرادة – من التأثير في مسار الأحداث، كما أثبتت تجارب سابقة، وفي مقدمتها حرب أكتوبر 1973 عندما استُخدم النفط العربي كسلاح، وقيل حينها إن النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي.
وعليه، فإن الشعوب العربية تتطلع إلى مواقف عملية تعبّر عن حجم التحدي، وتعيد الاعتبار لفكرة العمل العربي المشترك، من خلال تفعيل دور الجامعة العربية، والانتقال من موقع المتابعة إلى موقع الفعل.
إن حماية الحقوق العربية، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، لم تعد خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل أصبحت معيارًا حقيقياً لصدق الإرادة، واختبارًا لمكانة هذه الأمة في لحظة تاريخية مصيرية.