رفع المشتقات.. مغامرة في وقت خاطئ
زايد بارشيد
في وقت كان الناس ينتظرون فيه من الحكومة الجديدة أن تفتح نافذة أمل، جاء قرار رفع أسعار المشتقات النفطية في المحافظات المحررة كأنه صفعة موجعة على وجه الشارع المتعب.
ثلاثة أشهر تقريباً مرت على تعيين هذه الحكومة، ولم يلمس المواطن ما يخفف عنه ثقل الحياة، ولا ما يبعث رسالة اطمئنان تقول إن هناك من يشعر به، ويفهم حجم الانهيار الذي يعيشه كل يوم.. ثم جاء هذا القرار ليزيد السؤال وجعاً: كيف لحكومة جاءت في مرحلة حساسة أن تختار الطريق الذي يضاعف غضب الناس، ويزيد اختناقهم، ويفتح الأبواب أمام موجة سخط جديدة؟
رفع أسعار الوقود ليس رقماً في كشف حساب رسمي.. هذه جرعة تمس كل بيت، وكل أسرة، وكل عامل، وكل موظف، وكل سائق، وكل بائع بسيط في السوق.. حين يرتفع الوقود ترتفع معه المواصلات، وترتفع أسعار الغذاء، وترتفع كلفة الحياة كلها، ويجد المواطن نفسه محاصراً من كل الجهات، من غير راتب يكفي، ولا خدمات تستقر، ولا أفق واضح يخفف عنه هذا الحمل الثقيل.
المشكلة ليست في القرار وحده، المشكلة في توقيته، وفي الرسالة التي يبعثها للناس. الشارع اليوم مشحون، والناس وصلت إلى مرحلة لم تعد تحتمل مزيداً من التجارب، ولا مزيداً من القرارات التي تُتخذ بعيداً عن واقعهم القاسي.. ومن يعرف حال عدن وبقية المحافظات المحررة يدرك أن أي خطوة من هذا النوع يمكن أن تتحول سريعاً إلى نار كبيرة، خاصة في ظل وجود أطراف تتربص، وتنتظر أي خطأ لتستثمره سياسياً وشعبياً.
الحكومة التي تريد أن تكسب ثقة الناس لا تبدأ من جيوبهم الفارغة الحكومة التي تبحث عن حضور محترم في وعي المواطن تبدأ من تخفيف الأعباء، من تحسين الخدمات، من صرف الرواتب، من وضع حلول حقيقية للكهرباء والمياه والمعيشة، لا من قرار يدفع الناس إلى مزيد من الغضب، ثم يتركهم في مواجهة مصيرهم.
حتى الآن ما يزال الباب مفتوحاً للمراجعة.. التراجع عن الزيادة ليس هزيمة، وليس ضعفاً، وإنما خطوة عاقلة تحفظ ما تبقى من رصيد، وتبعث رسالة مهمة للناس أن صوتهم مسموع، وأن الحكومة قادرة على تصحيح المسار حين تخطئ.. الإصرار على القرار، مع كل هذا الاحتقان، مغامرة غير محسوبة، وقد يدفع ثمنها الجميع.
الناس اليوم لا يريدون خطابات طويلة، ولا مبررات جاهزة، ولا وعوداً مؤجلة. يريدون فقط أن يشعروا أن هناك دولة تقف معهم، لا فوقهم.. يريدون حكومة تفهم أن الشارع المنهك لا يحتمل مزيداً من الصدمات، وأن اللعب بقوت الناس باب خطير، إذا فُتح فلن يكون من السهل إغلاقه.
هذه الزيادة تحتاج إلى مراجعة عاجلة، لا مجاملة فيها، ولا مكابرة.. ومن باب النصيحة الصادقة نقول: عودوا إلى رشد القرار، وانظروا إلى حال الناس كما هو، لا كما تكتبه التقارير.. فالنار إذا اشتعلت لن تفرق بين أحد، وأول واجب على أي حكومة عاقلة أن تمنع الشرارة من الوصول إلى الهشيم.