الاستثمار غير المشروع في الدماء الحضرمية!
صـلاح مبارك
الحياة في جوهرها مواقف وعِبَر، وسجلٌّ لا يرحم؛ إذ لا ينفع المرءَ أن يدوس على قيمِه ومبادئه، أو يُبدِّل مواقفه لمجرد الركض خلف حطام الدنيا، أو القبول بمغنمٍ آنيٍّ يزول بزوال أسبابه.. وإذا كان تقلبُ المواقف في الشؤون الشخصية يثير الشفقة والازدراء، فما بالك بمن يستدير بزاوية حادة ضد وطنه وحق مجتمعه، مستثمرًا نضالات الآخرين في سوق المكاسب الرخيصة؟
ويتجلى هذا الانحدار حين ينبري أحدهم ليبشر ببساطة متناهية — وبدافع الحصول على منصب حكومي زائل أو مكسب مالي — بأنه سيبدأ من حيث انتهى مؤتمر حضرموت الجامع؛ ذلك الإطار الجامع الذي التفت حوله أطياف المجتمع الحضرمي ومكوناته ومنظماته السياسية والمدنية والقبلية والنقابية والجماهيرية في تجربة رائدة غير مسبوقة، صاغت للمرة الأولى أفقًا آمنًا لمستقبل حضرموت ، ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل يمتد بادعاء البداية من حيث «انتهى» ! حلف قبائل حضرموت؛ ذلك الحلف القبلي الذي لم يقم على رفاهية التنظير، بل تعمد بالدماء والتضحيات، وقدم الشهيد المقدم سعد بن حبريش، وعشرات الشهداء والجرحى والمقعدين بإصابات دائمة، صونًا لكرامة حضرموت وإنهاءً لعهود الاستلاب والتبعية.
إن هذا السلوك الانتهازي لا يعبر عن مراهقة سياسية أو نزوة طائشة ، بل يكشف عن رغبة جارفة في القفز على التضحيات واختزال النضالات الجماعية في طموحات فردية صغيرة ضئيلة .. كيف يمكن لعاقل أن يتوهم إمكانية شطب نضال أمة، أو الاستخفاف بدمٍ أُريق من أجل الحق، لمجرد أن كرسيًا تنفيذيًا يلوح في الأفق؟ إن هذا التعاطي يمثل استثمارًا غير مشروع في قضايا الشعوب العادلة، إذ تُختزل حقوق حضرموت وتوق أبنائها المشروع ليكون لهم موطئ قدمٍ حقيقي وتمثيل عادل وكرامة ناجزة في الشراكة الوطنية، إلى طموح لترقية وظيفية.
رحم الله شاعر حضرموت الكبير حسين أبوبكر المحضار، الذي أدرك بحدسه الصادق وفلسفته المترعة بالحكمة كيف تتبدل النفوس أمام المغريات، فأنشد للقيم الثابتة وتحسر على تجار المواقف ، حين قال:
يالله عسى الوقت يتبدل ويصلح من حال لا حال
يا حضـرموت، الفتن والفـوضويه
مابينهم خايف تروحي ضحيـه
وإلا يقـع بيـع والبـيعه دنييِّـة
من دون دلال
يالله عسى الوقت يتبدل ويصلح من حال لا حال
الـرأي ويـنه فـقـد والمعـقــلـية
والوعي تم ما بقـت مـنه بقـية
وشبابنا ما معاهـم طيب نـية
كـله تهـقـال
يالله عسى الوقت يتبدل ويصلح من حال لا حال
حد ضال يتبع هوى راسه وغيه
وحد يثرثر ولا عنـده دريـه
وحد على غش نفسه منطويه
عالناس يحتال
يالله عسى الوقت يتبدل ويصلح من حال لا حال
كما أن للمحضار، في حضرموت التي تعرف متى تصبر ومتى تطرد، قول آخر يستحق أن يُقرأ اليوم لا بوصفه شعرًا من الماضي، بل كأنه تحذير كُتب للمشهد الراهن :
إذا حفاها الضرب تطرد
لا تحسب إنها سهله
طردت عيال العم وطردت
بو دجانه هو وبن قمله
ومكانها باتطرد إللي ما يعود من إبليس
كل من بنى صرح المحبة يحكم التأسيس
إن التضحية والنضال لا يُبنيان بمنطق الانتهازية، والمراهنات السياسية، وحضرموت التي تتطلع اليوم إلى مستقبلٍ يليق بتاريخها وحجمها ومكانتها، أكبرُ من أن تُختزل مقدراتها أو تُساق تضحيات أبنائها لتكون ثمنًا لبخس الوظائف أو عطايا المناصب.. و سيبقى التاريخ يفرز الغث من السمين؛ فالمناصب تزول والأشخاص يرحلون، ولا يبقى في ذاكرة الأرض والمجتمع إلا من صان العهد، وحفظ أمانة الدم والمبدأ..