أنا جاوع.. كيف تحولت العملة الورقية في صنعاء إلى سلاح صامت يرعب الحـ.ـوثيين؟

أنا جاوع.. كيف تحولت العملة الورقية في صنعاء إلى سلاح صامت يرعب الحـ.ـوثيين؟
السدة نيوز

في ظل واقع معيشي يزداد قسوة، وتصاعد مستمر لسياسات القمع، لم يعد أمام المواطنين في العاصمة اليمنية صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين سوى ابتكار وسائل جديدة وغير تقليدية للتعبير عن غضبهم. من مقاطع مصورة تشكو التجويع وانقطاع المرتبات، إلى انتفاضة صامتة تُكتب فصولها على الأوراق النقدية المتهالكة؛ تتسع رقعة الرفض الشعبي لجماعة الحوثي يوماً بعد آخر، متجاوزةً كل حواجز الخوف.


ومع تزايد مخاطر الملاحقات الأمنية، وحملات التنكيل والتهجير التي تستهدف كل من يجرؤ على التعبير عن سخطه—كما حدث مؤخراً مع الناشط وصانع المحتوى أحمد الجيشي—لجأ السكان إلى وسائل أكثر حذراً ودهاءً لإيصال رسائلهم. فمنصات التواصل الاجتماعي لم تعد ملاذاً آمناً، بل أصبحت مصيدة قد تكشف هوياتهم وتعرضهم وعائلاتهم للخطر.


اليوم، وبعد أسابيع قليلة من الانتشار الواسع لشعار "أنا جاوع"، الذي أثار حفيظة جماعة الحوثي، ظهرت في شوارع صنعاء وأسواقها وسيلة احتجاجية مبتكرة. لقد تحولت الأوراق النقدية المتداولة بين أيدي الناس إلى منشورات سياسية متنقلة تحمل عبارات مناوئة للجماعة، وتنتشر كالنار في الهشيم دون أن يتمكن أحد من تعقب مصدريها.


وتنوعت العبارات المكتوبة بخط اليد على تلك الأوراق لتلخص معاناة الملايين، ومن أبرزها:


"أنا جاوع"


"الحوثي جوع الشعب"


"عبدالملك سرق رواتبنا"


"الحوثي أكل حقوق الشعب"


وصولاً إلى الهتاف المباشر: "ارحل يا حوثي".


من العالم الافتراضي إلى التداول اليومي


هذا الحراك الصامت لم يأتِ من فراغ؛ بل هو امتداد لحملة عفوية ارتبطت خلال الأسابيع الماضية بالناشط أحمد الجيشي، الذي جعل من عبارة "أنا جاوع" صرخة تمثيلية تجسد قهر المواطنين. وسرعان ما قفزت العبارة من حسابات السوشيال ميديا إلى حناجر المواطنين في مقاطع مصورة، لتستقر أخيراً على العملة الورقية.


وفي هذا السياق، أوضح الناشط "الجيشي" أن الكتابة على العملة جاءت كرد فعل طبيعي على سياسة تكميم الأفواه، مشيراً إلى أن الرسالة التي يمررها كل مواطن يكتب على ورقة نقدية هي باختصار: "أنا موجود.. وأنا متألم.. وأنا جاوع".


وكان "المشهد اليمني" قد رصد في تقارير سابقة تمدد هذه الظاهرة في صنعاء، حيث وثقت مقاطع عديدة أصواتاً تئن تحت وطأة الجوع وانقطاع مصادر الدخل. وقد تطورت هذه الشكاوى إلى انتقادات سياسية لاذعة وعبارات ساخرة، تزامنت مع المظاهر الاحتفالية الباذخة التي أقامتها الجماعة، في مفارقة أثارت استفزاز المواطنين المحرومين من أبسط حقوقهم.


يرى المراقبون والمشاركون في هذه الحملة أن استخدام العملة كلوحة للاحتجاج يمثل ضربة ذكية للإجراءات الأمنية الحوثية؛ فالأوراق النقدية تنتقل يومياً بين مئات الآلاف من الأشخاص وفي مختلف المتاجر، مما يضمن وصول الرسالة إلى الجميع—بما في ذلك عناصر الجماعة أنفسهم—دون الحاجة إلى منصات إلكترونية أو حسابات يمكن اختراقها أو ملاحقة أصحابها.