من الجوف إلى لحج.. هل تتغير خريطة السيطرة العسكرية في اليمن مع اتساع رقعة المواجهات؟
لم تعد المواجهات العسكرية في اليمن محصورة في جبهة واحدة أو محافظة بعينها، بل باتت تمتد عبر محاور جغرافية متباعدة، من محافظة الجوف شمالاً، مروراً بجبهات تعز، وصولاً إلى لحج جنوباً، في تطور ميداني يعكس اتساع رقعة التصعيد بين القوات الحكومية ومليشيا الحوثي، ويعيد طرح تساؤلات بشأن احتمالات تغيّر خريطة السيطرة العسكرية خلال المرحلة المقبلة.
وتأتي هذه التطورات في ظل تصاعد العمليات العسكرية منذ أشهر، وتبادل الهجمات ومحاولات التقدم في عدد من المواقع الاستراتيجية، بالتزامن مع إعلان القوات الحكومية إطلاق عملية «فجر اليمن»، الهادفة إلى استعادة مناطق خاضعة لسيطرة ميليشا الحوثي.
الجوف.. تقدم ميداني في مواقع استراتيجية
في شمال البلاد، برزت محافظة الجوف باعتبارها إحدى أبرز ساحات المواجهة خلال الأيام الأخيرة، بعد إعلان القوات الحكومية استعادة مواقع عسكرية ومرتفعات استراتيجية شرقي مدينة الحزم، عاصمة المحافظة.
ووفقاً لما أعلنته القوات الحكومية، تمكنت وحدات عسكرية من استعادة مواقع في سلسلة جبال حويشيان، عقب معارك عنيفة مع الحوثيين، أسفرت عن سقوط قتلى وأسر عناصر والاستيلاء على أسلحة وذخائر، بحسب الرواية العسكرية الحكومية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي للجوف، المحاذية للسعودية والقريبة من محافظات صنعاء وصعدة، فضلاً عن ارتباطها بمحاور عسكرية مؤثرة في مسار المواجهات شمالي البلاد.
ويرى محللون عسكريون أن السيطرة الكاملة للقوات الحكومية على مدينة الحزم، مركز محافظة الجوف، ستُحدث تحولاً استراتيجياً في مسار العمليات العسكرية شمالي اليمن، لما تحمله هذه الخطوة من تبعات متشابكة على المستويين الميداني والاستراتيجي. وفيما يلي أبرز المحاور المتوقعة لهذه التبعات:
أولاً: تأمين محافظة مأرب
تُمثّل محافظة الجوف الجدار الحماية الشمالي لمدينة مأرب، وبالتالي فإن السيطرة على مركزها الحزم من شأنها أن تقطع خطوط الإمداد الحوثية وتُنهي التهديد المباشر الذي يطال المناطق النفطية والمناطق الشرقية، بما يعزز استقرار مأرب باعتبارها مركزاً حيوياً للقوات الحكومية.
ثانياً: فتح جبهات صعدة وعمران
تصبح السيطرة على الحزم بوابة مباشرة للتقدم نحو المعاقل الرئيسية لجماعة الحوثي في محافظتي صعدة وعمران المحاذيتين، ما يفتح أمام القوات الحكومية مسارات جديدة للضغط على العمق الحوثي.
ثالثاً: الضغط على طوق صنعاء
يتيح هذا التقدم للقوات الحكومية الإشراف والتحرك نحو مديريات طوق العاصمة صنعاء من الجهة الشمالية الشرقية، وهو ما يُعيد رسم خريطة السيطرة شمالي اليمن بالكامل، ويضع العاصمة تحت ضغط استراتيجي متصاعد.
رابعاً: تأمين الشريط الحدودي
تعزز السيطرة على الحزم تأمين الحدود الطويلة للمحافظة والمحاذية للمملكة العربية السعودية، بما ينعكس على الأمن الحدودي ويقلص مساحات التهديد.
وتأتي هذه التقديرات في وقت حققت فيه القوات الحكومية تقدماً ميدانياً لافتاً بالسيطرة على سلسلة جبال حويشيان الاستراتيجية ومواقع حاكمة شرق مدينة الحزم، فيما تواصل عمليات التمشيط والتقدم لتصبح على مسافة كيلومترات قليلة من مركز المحافظة. وقد حاول الحوثيون استعادة بعض المواقع التي خسروها في محور حويشيان، لكن تم التصدي لهم، ما يشير إلى أن المعركة هناك لم تنتهِ بمجرد إعلان السيطرة على المرتفعات، وأن تثبيت المواقع الجديدة سيظل تحدياً ميدانياً أمام القوات المتقدمة.
تعز.. جبهة مفتوحة ومحاولات للتقدم
وفي محافظة تعز، لا تزال المواجهات مستمرة على عدد من المحاور، وسط محاولات حوثية للتقدم نحو مواقع القوات الحكومية، خصوصاً في الجبهات الجنوبية والجنوبية الشرقية للمدينة.
وشهدت جبهة كحلان في صبر مواجهات عنيفة، الاثنين، قالت القوات الحكومية إنها تمكنت خلالها من كسر هجوم حوثي، فيما امتدت الاشتباكات إلى جبهة الأقروض بمديرية المسراخ جنوب شرقي مدينة تعز.
ولا تقتصر خطورة التطورات في تعز على الجانب العسكري، إذ تتزامن المواجهات مع أوضاع إنسانية متدهورة، وتحديات متزايدة أمام وصول الإمدادات الطبية والغذائية إلى السكان. وكانت السلطات المحلية قد أعلنت سقوط ضحايا مدنيين جراء قصف استهدف أحياء سكنية، في مؤشر على أن استمرار التصعيد لا يهدد المواقع العسكرية وحدها، بل يضع المدنيين أيضاً في دائرة الخطر.
لحج.. معارك عند الممرات الاستراتيجية
وعلى وقع احتدام المواجهات التي اتخذت بعداً أكثر حساسية، مع امتداد الاشتباكات إلى مناطق المقاطرة وطور الباحة وهيجة العبد، وهي مناطق تتمتع بأهمية جغرافية وعسكرية نظراً لموقعها الرابط بين تعز والمناطق الجنوبية، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، يوم الاثنين، القرار رقم (247) لسنة 2026، بشأن تعيينات جديدة في قيادة محور طور الباحة بمحافظة لحج، شملت قيادة المحور ورئاسة أركانه وعملياته.
وقضى القرار بتعيين العقيد مجدي مناضل ثابت أحمد قائداً لمحور طور الباحة وقائداً للواء الأول قوات درع الوطن، مع ترقيته إلى رتبة لواء، وتعيين العقيد بسام عبده سعيد سالم الحرق رئيساً لأركان المحور وقائداً للواء الرابع مشاة جبلي، والعميد الركن ناجي مقبل محمد سعيد الشطاف رئيساً لعمليات محور طور الباحة.
وربط مراقبون عسكريون بين احتدام المعارك والقرارات الرئاسية، واعتبروا أن هذه التغييرات الإدارية والميدانية تأتي كاستجابة فورية لسد الثغرات التنظيمية، ورفع الكفاءة القتالية والجاهزية لمواجهة التحديات المتزايدة على خطوط التماس المشتركة بين لحج وتعز. كما أن من شأنها تغيير الخطط والتكتيكات العسكرية للقوات الحكومية، خصوصاً وأن المعارك في هذه المناطق ذات طبيعة جبلية وعرة وصعبة للغاية، إلا أن دفع تعزيزات كبيرة من «قوات العمالقة الجنوبية» و«درع الوطن» سيسهم في كسر الاندفاعة الحوثية واستعادة زمام المبادرة في أجزاء واسعة من محور طور الباحة والمقاطرة، وهما جبهتان شهدتا خلال الساعات الماضية مواجهات عنيفة، وتبادل السيطرة على بعض المواقع والمرتفعات، في المنطقة التي تكتسب أهميتها من إشرافها على طرق حيوية، بينها طريق هيجة العبد، الذي يمثل أحد أهم المنافذ البرية لحركة التنقل والإمدادات بين تعز وعدد من المحافظات الجنوبية.
كما أن السيطرة على المرتفعات المحيطة بهذه الطرق تمنح الطرف المسيطر قدرة أكبر على مراقبة التحركات العسكرية والمدنية، وتؤثر على حركة الإمدادات والانتقال بين المناطق.
ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد جميل المعمري أن الحوثيين نقلوا ثقل المواجهات من تعز إلى لحج بغرض السيطرة على «جبل منيف» والتباب الحاكمة في المنطقة.
وهذا التقدم يهدف إلى فرض سيطرة نارية مباشرة على الممرات والطرق الممتدة باتجاه العاصمة المؤقتة عدن، وتأمين السلسلة الجبلية المطلة على مضيق باب المندب ورأس العارة.
وبذلك، فإن المعارك في لحج لا يمكن قراءتها باعتبارها مواجهات محلية منفصلة، بل ترتبط بصورة مباشرة بأمن الطرق والممرات الحيوية، وبمستقبل خطوط التماس بين تعز ولحج.
عملية «فجر اليمن».. هل تتجاوز المواجهات حدود الاستنزاف؟
تزامن اتساع المواجهات مع إعلان القوات الحكومية عملية «فجر اليمن»، في الخامس من أكتوبر الماضي، ضمن تحركات عسكرية تستهدف استعادة مناطق من سيطرة الحوثيين.
وتقول القوات الحكومية إن العمليات العسكرية شملت جبهات متعددة، وإنها تمكنت من إلحاق خسائر بشرية ومادية بالحوثيين، إلى جانب استعادة مواقع عسكرية وتدمير آليات ومعدات قتالية.
وفي المقابل، تواصل ميليشيا الحوثي الدفع بتعزيزات إلى عدد من الجبهات، ومحاولة استعادة المواقع التي خسروها، بما يعكس تمسك الجماعة بخطوط سيطرتها وسعيها إلى منع حدوث اختراقات عسكرية واسعة.
ويرى مراقبون أن اتساع رقعة المواجهات يضع الأطراف أمام اختبار عسكري جديد، لا يتعلق فقط بالقدرة على تحقيق تقدم ميداني، وإنما أيضاً بالقدرة على الاحتفاظ بالمواقع وتأمين خطوط الإمداد ومنع الخصم من استعادتها. وهذا ما يؤكده الخبير العسكري والإستراتيجي الدكتور علي الذهب، الذي ربط فاعلية الضربات التي تنفذها القوات الحكومية ضد ميليشيا الحوثي بمدى استثمار نتائجها على الأرض وتحويلها إلى مكاسب عسكرية.
ونقلت «الجزيرة» عن الذهب قوله إن كثافة هذه العمليات لم تغير شيئاً في واقع المواجهات، موضحاً أن الضربات العسكرية لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير خرائط السيطرة ما لم تُستثمر نتائجها ميدانياً من خلال تقدم القوات وتحقيق مكاسب على الأرض، ومطالباً بمراجعة أداء القوات الحكومية على المستويين التنظيمي والقيادي. ولفت إلى أن تحقيق القوات الحكومية تقدماً ميدانياً في ظل غياب الدعم الجوي يطرح تساؤلات بشأن طبيعة التنظيم والقيادة داخل هذه القوات، مشيراً إلى أن هذه الإشكاليات لا تحظى بالاهتمام الكافي في الوقت الراهن. ويرى الخبير العسكري أن كثافة العمليات المعلنة لا تعكس بالضرورة تحولاً في مسار المعارك، ما دامت نتائجها لا تُترجم إلى تقدم ميداني مستدام وتغيير فعلي في خطوط السيطرة والانتشار.
أما المحلل العسكري محمد الكميم فيؤكد أن الخسائر التي تتكبدها المليشيات الحوثية في الفترة الحالية غير مسبوقة على مدار 22 عاماً في اليمن، خصوصاً وأنها تسعى للسيطرة على مواقع لم يسبق لها السيطرة عليها تنفيذاً لأجندة إيرانية بهدف تحسين شروط التفاوض، وخنق الممرات وصولاً إلى باب المندب.
هل نحن أمام تحول في خريطة السيطرة؟
إن تزامن التطورات في الجوف وتعز ولحج يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن ما إذا كانت الحرب تتجه نحو مرحلة جديدة من المواجهات، قد تحمل تغيرات في خطوط التماس وخريطة السيطرة العسكرية.
لكن قراءة هذه التطورات باعتبارها تحولاً حاسماً في موازين القوى تظل مبكرة، فاستعادة موقع عسكري أو مرتفع استراتيجي لا تعني بالضرورة تغير السيطرة على محافظة بأكملها، كما أن التقدم في بعض المحاور قد يقابله تصعيد أو هجمات مضادة في محاور أخرى.
وتتوقف إمكانية ترجمة المكاسب الميدانية إلى تحولات أوسع على قدرة القوات الحكومية على توحيد جهودها العسكرية، وتنسيق العمليات بين التشكيلات المختلفة، وتأمين المواقع المستعادة، والاستمرار في الضغط على خطوط الحوثيين. كما يظل العامل السياسي مؤثراً في مسار المعركة، في ظل غياب تسوية شاملة تنهي الحرب، واستمرار الانقسامات والتحديات الاقتصادية التي تواجه مؤسسات الدولة والمناطق الخاضعة لسيطرتها.
معركة استعادة الدولة.. ما بعد المكاسب الميدانية
كما تكشف التطورات العسكرية المتسارعة من الجوف إلى تعز ولحج عن انتقال المواجهة مع مليشيا الحوثي إلى مرحلة تتطلب البناء على المكاسب الميدانية وتوسيع نطاق العمليات لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرتها. فالمعركة لم تعد تقتصر على استعادة مواقع عسكرية أو مرتفعات استراتيجية، بل تتجاوز ذلك إلى إعادة تثبيت حضور الدولة ومؤسساتها، وإنهاء حالة الانقلاب التي فرضتها الميليشيا على مؤسسات الحكم منذ سنوات.
وفي ظل ما تشهده الجبهات من تحركات متزامنة، تبدو القوات الحكومية أمام فرصة لتعزيز مواقعها وتوحيد جهودها العسكرية، بما يضمن تحويل التقدم الميداني إلى نتائج استراتيجية مستدامة، خصوصاً في المناطق التي تمثل مفاتيح جغرافية وعسكرية مهمة، مثل الحزم في الجوف، والممرات الرابطة بين تعز ولحج، والمرتفعات المشرفة على الطرق الحيوية.
وتفرض المرحلة الراهنة على مجلس القيادة الرئاسي والقيادة العسكرية مضاعفة الجهود لتوفير متطلبات المعركة، وتعزيز التنسيق بين التشكيلات العسكرية، وتجاوز الاختلالات التي رافقت أداء القوات الحكومية خلال السنوات الماضية، بما يضمن استثمار التحركات الحالية وعدم السماح للحوثيين باستعادة المواقع التي خسروها.
وفي المحصلة، فإن ما يجري على امتداد الجبهات اليمنية يضع معركة استعادة الدولة أمام اختبار ميداني جديد، تجعل من استعادة الأرض وتحرير المؤسسات هدفاً رئيسياً، وتضع حداً لمحاولات الحوثيين فرض واقع عسكري وسياسي بقوة السلاح.