الرويبضة وحريّة الوقاحة

الرويبضة وحريّة الوقاحة
السدة نيوز - خاص

بقلم: محمد احمد بالفخر

  

 عُرّفت حرية الوقاحة بأنها تجاوز الحدود والأخلاق، والوقاحة هي استخدام لغة التجريح، والسب، وانتهاك الأعراض، أو السخرية الهابطة بعيداً عن أي قيمة حقيقية أو نقد موضوعي.

وبالتالي فإن الوقاحة لا تخدم المصلحة العامة، بل تحوّل النقاش العام إلى مهاترات وتستبيح الكرامة الشخصية تحت غطاء زائف يُسمى الحرية وهي ليست من الحرية في شيء لإن حريتك تنتهي عندما تصطدم بحرية الآخرين،

وقد ابتلينا في العقود الأخيرة ومنذ ظهور الشبكة العنكبوتية على الرغم من مزاياها الكثيرة جداً إلاّ ان ظهور وسائل التواصل المتعددة والتي أصبحت متاحة في يد الصغير والكبير قد أفرزت لنا الكثير ممن اتخذوا الوقاحة أسلوب حياة لا يفارقهم وبالتالي لا يوقرون كبيراً ولا يحترمون صغيراً ولا يعملون أدنى اعتبار لأحد، رموا بثقافة وقيم المجتمع عرض الحائط، وبالتالي أمنوا العقوبة ولأن من أمن العقوبة ساء الأدب وخاصة أنهم يتسترون   خلف أسماء ومعرفات وهمية يصعب على الفرد العادي معرفتهم وبالتالي يطلقون لأنفسهم العنان في كل ما يكتبوه ويقولوه،

وبطبيعة الحال هناك بعض الأسماء حقيقية ومعروفة وقد وصل بهم الحال إلى الدرجة القصوى من عدم المبالاة وخاصة أن بعضهم وجد له من المكانة والحماية الحسية والمعنوية من جهات نفوذ محلية أو خارجية أوصلته إلى ما وصل إليه من الوقاحة وقلة الأدب دون حسيب أو رقيب،

ومن يتابع المساحات الصوتية سيستمع إلى أعجب العجائب وسيسمع ألسنةٍ حدادٍ لا تعمل اعتبار لأبسط قيم المجتمع فيطلق للسانه العنان ليشتم هذا ويسفه ذاك ويطعن في شرف هذا أو تلك ولا تجد من يحاسبهم على ذلك،

 والأدهى والأمر أنهم جميعاً تحولوا إلى محللين سياسيين وأنهم مدركين لكل قضايا المجتمع، وأن بأيديهم الحل والربط وأنهم مثقفي زمانهم وأن الزمان لم يجد بأمثالهم، ولو سألت أحدهم ما هو آخر كتاب قرأته؟ لأجابك كتاب (ستالين في العيقة) كما أجاب أحد الرفاق المتفلسفين ذات يوم حين سُئِل في ذاك الزمن الغابر عن آخر كتاب قرأه فتلعثم فغششه أحدٌ بجواره بالمعلومة الخطأ،

 وهذا يضعنا أمام مصطلح (الرويبضة) الذي ذكره النبي محمد عليه الصلاة والسلام عندما قال: (سَيأتي على الناسِ سنواتٌ خدَّاعاتٌ؛ يُصدَّقُ فيها الكاذبُ، ويُكذَّبُ فيها الصادقُ، ويُؤتمنُ فيها الخائنُ، ويُخوَّنُ فيها الأمينُ، وينطقُ فيها الرُّويبضةُ، قيل: وما الرُّويبضةُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: الرَّجلُ التَّافه يتحدّث في أمرِ العامةِ)

وكم رأينا من رويبضات ليس في وسائل التواصل فحسب بل يتصدرون المشاهد في الصحافة والفضائيات بل وحتى في الوظيفة العامة يعبث بإمكانيتها أيما عبث،

فهل من صحوة مجتمعية ترغم من بيده القرار لتصحيح المسارات الخاطئة؟!  

خاتمة شعرية من شعر أحمد مطر

جَسَّ الطبيبُ خافقي وقالَ لي:
هلْ ها هُنا الألَمْ؟
فَشقَّ بالمِشرَطِ جيبَ معطَفي..
وأخرَجَ القَلَمْ!
هَزَّ الطّبيبُ رأسَهُ.. ومالَ وابتَسمْ
وَقالَ لي: ليسَ سوى قَلَمْ
فقُلتُ: لا يا سَيّدي..
هذا يَدٌ.. وَفَمْ
رَصاصةٌ.. وَدَمْ
وَتُهمةٌ سافِرةٌ.. تَمشي بِلا قَدَمْ!