معركة استعادة الدولة في اليمن.. اختبار القيادة الموحدة بين حسابات الميدان وتحديات السياسة
عاد الملف العسكري في اليمن إلى واجهة المشهد مع إعلان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في الرابع من أكتوبر 2026، بدء العمليات العسكرية لاستعادة ما تبقى من أراضي الجمهورية وبسط سلطة الدولة ومؤسساتها على كامل التراب الوطني، في خطوة قالت القيادة إنها تأتي بعد استنفاد فرص التهدئة والانتقال من مرحلة الاستعداد إلى مرحلة العمليات العسكرية.
وجاء الإعلان وسط تصعيد ميداني شهدته عدة جبهات، بينها الساحل الغربي وتعز ومأرب والجوف، لتفتح التطورات مجدداً أسئلة تتجاوز طبيعة العمليات العسكرية ونتائجها المباشرة، إلى مستقبل المؤسسة العسكرية، ومدى قدرة القوى المناهضة للحوثيين على العمل ضمن قيادة موحدة، وإنهاء حالة التباين التي رافقت سنوات الحرب.
ولم تعد القضية المطروحة مقتصرة على استعادة المواقع العسكرية، بل باتت مرتبطة بسؤال أكبر: هل تمتلك الحكومة استراتيجية متكاملة لاستعادة الدولة، سياسياً وعسكرياً وأمنياً، أم أن التقدم في بعض الجبهات سيظل عرضة للتراجع بسبب الانقسامات وضعف التنسيق؟
*القيادة الموحدة.. الاختبار الأصعب*
تمثل مسألة توحيد التشكيلات العسكرية إحدى أبرز التحديات أمام الحكومة اليمنية، خصوصاً في ظل تعدد القوى والتشكيلات التي تقاتل الحوثيين، واختلاف خلفياتها ومراكز قيادتها ومصادر تمويلها.
وكان مجلس القيادة الرئاسي قد أعلن تشكيل اللجنة العسكرية العليا مطلع عام 2026، بهدف الإشراف على القوات والتشكيلات العسكرية والعمل على دمجها ضمن المؤسسة العسكرية الرسمية.
لكن التطورات التي شهدها الساحل الغربي خلال سبتمبر، وما رافقها من خسارة مواقع استراتيجية قبل بدء العمليات المضادة، أعادت تسليط الضوء على مستوى التنسيق بين القوات الحكومية، ومدى قدرة اللجنة العسكرية العليا على الانتقال من الإطار التنظيمي إلى قيادة ميدانية فاعلة.
*أصوات يمنية تطالب بالمحاسبة وتوحيد القرار*
بالتوازي مع التطورات الميدانية، برزت على منصات التواصل الاجتماعي نقاشات يمنية واسعة بشأن إدارة المعركة، بين أصوات تدعو إلى الالتفاف حول القوات الحكومية، وأخرى تطالب بمراجعة أداء القيادة ومحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات العسكرية.
وفي منشور على حسابها بمنصة «إكس»، طرحت الناشطة السياسية والحقوقية نورا الجروي تساؤلات بشأن دور اللجنة العسكرية العليا ووزارة الدفاع في إدارة المواجهة، معتبرة أن خسارة أجزاء من الساحل الغربي تستدعي مراجعة شاملة، تشمل تقييم أسباب التراجع، وتوحيد القيادة، وإعادة توزيع الوحدات، ووضع خطة عسكرية وطنية واضحة.
وأكدت الجروي في منشوراتها أن انتقاد أداء الحكومة والقيادات العسكرية لا يعني الوقوف مع الحوثيين، مشددة على حق اليمنيين في مساءلة الجهات المسؤولة عن إدارة الحرب، ومطالبة بالكشف عن نتائج عمل اللجنة العسكرية العليا وموقع القرار العسكري اليمني في إدارة العمليات.
وفي منشور آخر، فرّقت الجروي بين شجاعة المقاتلين وكفاءة من يديرون المعركة، معتبرة أن صمود أبناء تعز لا ينبغي أن يحجب الأسئلة المتعلقة بالخطة العسكرية والقيادة الموحدة والاستراتيجية المطلوبة لمنع تكرار خسارة المناطق.
ويعكس هذا الطرح اتجاهاً في النقاش العام يركز على ضرورة إخضاع الأداء العسكري والمؤسسي للمراجعة، وعدم الاكتفاء بالشعارات أو الخطاب التعبوي.
في المقابل، ظهرت أصوات يمنية أخرى تدعو إلى مساندة القوات الحكومية وتجنب الخطاب الذي قد يؤدي إلى إحباط المقاتلين أو إضعاف الجبهة الداخلية.
وفي منشورات على منصة «إكس»، دعا الناشط هشام المخلافي إلى تأجيل الخلافات والمناكفات، معتبراً أن معركة استعادة الدولة ليست مسؤولية الجيش وحده، بل تتطلب أيضاً موقفاً مجتمعياً وإعلامياً داعماً للقوات المسلحة.
وشدد المخلافي على أهمية رفع معنويات المقاتلين وترك تفاصيل الخطط والتحركات العسكرية للجهات المختصة، في طرح يعكس أولوية مساندة الجبهة العسكرية خلال المواجهة.
من التحركات العسكرية إلى مشروع الدولة
لا تتوقف تحديات استعادة الدولة عند حدود الجبهات العسكرية، إذ ترتبط أيضاً بقدرة الحكومة على استعادة مؤسساتها وتفعيل أجهزة الأمن والقضاء، وتحسين الخدمات، ومعالجة الأوضاع الاقتصادية التي أثقلت كاهل المواطنين.
فالمواطن اليمني الذي ينتظر استعادة الدولة لا ينظر إلى نتائج المعارك من زاوية السيطرة على المواقع العسكرية فحسب، بل ينتظر أن تنعكس أي تطورات إيجابية على حياته اليومية، من انتظام الرواتب وتوفير الكهرباء والمياه إلى استقرار العملة وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية.
وتشير بيانات البنك الدولي الصادرة في مايو 2026 إلى أن الاقتصاد اليمني انكمش بنسبة 1.5% خلال عام 2025، مع توقع استمرار الانكماش بنسبة 0.5% خلال 2026 وفق تقديراته آنذاك، في ظل استمرار تعطل صادرات النفط وضعف الإيرادات والتمويل الإنساني.
كما أشار صندوق النقد الدولي في أكتوبر 2026 إلى استمرار الضغوط الاقتصادية، وتوقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 1.5% خلال العام، مع تأكيد أهمية الإصلاحات المالية والنقدية وحماية الفئات الأكثر ضعفاً.
وتعني هذه المؤشرات أن أي مشروع لاستعادة الدولة يحتاج إلى مسار متكامل لا يفصل بين العمل العسكري والإصلاح الاقتصادي والمؤسسي، لأن استعادة السيطرة الجغرافية وحدها لا تكفي لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم.
الدعم الإقليمي والقرار الوطني
يمثل الدعم الإقليمي، وفي مقدمته الدعم السعودي، أحد العوامل المؤثرة في مسار المواجهة، سواء من خلال الإسناد العسكري أو الدعم السياسي والاقتصادي.
لكن استمرار الاعتماد على الدعم الخارجي يفتح نقاشاً حول ضرورة بناء مؤسسة عسكرية وطنية قادرة على إدارة المعركة واتخاذ القرار وفق استراتيجية يمنية واضحة، بما يحافظ على الشراكات الإقليمية دون أن يحل الدعم الخارجي محل مسؤولية المؤسسات الوطنية.
وتبرز هنا أهمية أن تكون اللجنة العسكرية العليا إطاراً عملياً لتوحيد القوات، وتحديد المسؤوليات، ومنع ازدواجية القرار، وضمان خضوع التشكيلات العسكرية للمؤسسات الرسمية.
فنجاح أي عملية عسكرية لا يقاس فقط بحجم الضربات أو المواقع التي تتم استعادتها، بل بقدرة القوات على تثبيت المكاسب، وحماية السكان، وتأمين خطوط الإمداد، ومنع تكرار الاختراقات.
استعادة الدولة.. ما الذي ينتظره اليمنيون؟
مع استمرار المواجهات وتعدد الجبهات، تبدو المرحلة الحالية اختباراً حقيقياً لقدرة مجلس القيادة الرئاسي والحكومة على ترجمة إعلان استعادة الدولة إلى خطوات ملموسة على الأرض.
وتبرز أمام القيادة اليمنية جملة من الاستحقاقات، أبرزها توحيد التشكيلات العسكرية تحت قيادة واحدة، وتحديد استراتيجية واضحة لإدارة العمليات، وتعزيز الرقابة والمحاسبة، بالتوازي مع معالجة الاختلالات الاقتصادية والخدمية.
كما أن نجاح المعركة يتطلب الحفاظ على الجبهة الداخلية، وتجنب تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات جديدة، وضمان أن تكون مؤسسات الدولة هي المرجعية الوحيدة للقرار العسكري والأمني.
وبين مطالب المساندة العسكرية ودعوات المراجعة والمحاسبة، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه على المشهد اليمني: هل تستطيع الحكومة تحويل التطورات العسكرية الراهنة إلى مشروع وطني متكامل ينهي حالة الانقسام ويعيد بناء مؤسسات الدولة، أم أن تحديات القيادة وتعدد مراكز القرار ستظل عائقاً أمام تحقيق هذا الهدف؟