بناء الوعي قبل بناء الدولة
بقلم / احمد مقرم
لا تُبنى الدول بحسن النوايا وحدها، ولا بتكرار الشعارات الوطنية، بل تُقام على أرضية صلبة من الوعي المجتمعي والثقافة السياسية الواعية. وفي لحظتنا الراهنة في الجنوب، وأمام التحديات الجسام المتراكمة، يبرز سؤال جوهري ومحوري: ما هي الأولوية التي يجب أن تسبق كل خطوة نابعة نحو استعادة وبناء الدولة؟
إن الإجابة الحصيفة تتلخص في كلمة واحدة: "الإنسان".. وتحديداً ترميم وبناء "فكر الإنسان الجنوبي" على أسس ومبادئ التعايش السلمي، وقبول الآخر، وإعادة الاعتبار للتنوع والتعددية.
معركة الوعي الشوط الأصعب
إذا كان الاستحقاق السياسي وبناء الهياكل الهيكلية للتنظيمات أمراً متاحاً، فإن "بناء الوعي " يعد المرحلة الأكثر صعوبة وتعقيداً على الإطلاق إذ تعد معركة وعي طويلة المدى، لا تكتمل إلا بجهد مضنٍ وتظافر صادق من كافّة القوى السياسية، والمكونات المجتمعية، والنخب الفكرية والإعلامية.
إن حالة التنافر الشديد، والشحن السياسي المتواصل المتصاعد بين القوى الفاعلة في الساحة الجنوبية اليوم، لا تخدم سوى خلط الأوراق و هذا المناخ المحتقن يسلب الجنوب أرضيته الصلبة، ويحرمه من بيئة متماسكة تكون حاضنةً ومشجعة لاستحقاقات المستقبل ، فالاحتقان السياسي لا ينتج دولة، بل يتسبب في مزيد من التأزم والهدر للطاقات الشابة والمقدرات الوطنية.
التعددية غاية.. والهدف واحد
لقد حان الوقت لكي تعي جميع القوى أن التعددية السياسية في هذه المرحلة الحساسة ليست ترفاً أو مصدر ضعف، بل هي وسيلة رافعة وغاية تنظيمية تجسد نضج الشارع الجنوبي ، قد نختلف في الوسائل، وقد تتعدد الرؤى والأساليب، لكن الهدف الأسمى الذي يلتقي عنده الجميع ويجب أن يظل الشاغل الأول والديدن الدائم، هو استعادة وبناء دولة الجنوب المستقرة والمزدهرة..
الترفع والتسامي من أجل المستقبل
إن النضج السياسي الحقيقي يتجلى في القدرة على العمل الجماعي في المساحات المشتركة ، يجب على كل طرف، ومن موقعه وفي نطاقه الخاص، أن يضع القاسم المشترك فوق أي مكاسب حصرية أو ضيقة.
إن الدولة الجنوبية القادمة لن تكون دولة حصرية لكيان دون آخر، بل ستكون دولة لكل أبنائها.
ومن هنا، فإن اللبنة الأولى لبنائها لا تبدأ من المقرات أو المنصات الإعلامية، بل تبدأ من العقول والقلوب؛ عندما ندرك جميعاً أن التسامح والتكامل وقبول الاختلاف هو الطريق الوحيد والآمن للوصول إلى الغاية المنشودة.