حضرموت: من طمس الهوية إلى استعادتها
بقلم : عبدالله علي باظفر
حضرموت كيانٌ تاريخي عريق، سبق كثيرًا من الكيانات في الجزيرة العربية، وشكّل عبر آلاف السنين هويةً سياسية وثقافية واجتماعية متكاملة. فقد كانت مملكةً قوية تنافس مملكة سبأ، واحتفظت بخصوصيتها واستقلالها عبر مراحل طويلة من التاريخ.
ومع بزوغ فجر الإسلام، دخلت حضرموت الدين الجديد كأرضٍ ذات كيان مستقل، ووفدت منها قبائل عديدة إلى رسول الله ﷺ، ككندة والصدف والجعفيين وغيرهم، فأرسل النبي ﷺ عامله على حضرموت زياد بن لبيد الأنصاري رضي الله عنه. ولم يذكر التاريخ الإسلامي تبعية حضرموت السياسية لصنعاء أو عدن أو غيرها، إلا في فترات عابرة لم تمس جوهر استقلالها.
وخلال الاستعمار البريطاني، لم تُضم حضرموت إلى اتحاد الجنوب العربي، بل أُعطي لها كيانٌ خاص تحت مسمى المحميات الشرقية، وكان لها جيشٌ مستقل هو جيش البادية الحضرمي، في تأكيد واضح على خصوصيتها السياسية والإدارية.
وهذا السرد التاريخي لا يعني أن الحضارم خارج الإطار اليمني؛ فاليمن توصيفٌ جغرافي تاريخي داخل الجزيرة العربية، وهو ما كان على يمين الحجاز، وحضرموت جزءٌ أصيل منه، ومشمولة بفضائل أهل اليمن التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية. غير أن الحقيقة الثابتة أن حضرموت، كغيرها من مناطق اليمن، امتلكت عبر تاريخها الطويل هويةً مستقلة وقرارًا خاصًا.
بداية طمس الهوية الحضرمية
بدأ طمس الهوية الحضرمية في أواخر ستينيات القرن الماضي، مع تراجع النفوذ البريطاني وانقسام العرب بين القوميين والملكيين. فقد اتجهت المحميات الحضرمية (القعيطية، الكثيرية، الواحدية) إلى الاصطفاف مع المعسكر الملكي بقيادة المملكة العربية السعودية، وبدأ العمل على مشروع توحيدها وإعلان دولة حضرمية مستقلة بدعم سعودي، وكان مقررًا إعلان الاستقلال عام 1968.
غير أن هذا المشروع أُفشل عبر الاغتيالات والتدخلات السياسية، ثم أُدخلت حضرموت بالقوة ضمن دولة الجنوب عام 1967، أي قبل عامٍ كامل من موعد إعلان دولتها. وتلا ذلك تشكيل جيش الإنقاذ الوطني لتحرير حضرموت والمهرة، لكنه فشل بعد دخول الجنوب تحت مظلة الاتحاد السوفيتي.
ومنذ تلك المرحلة، بدأت سياسة ممنهجة ضد حضرموت وأبنائها، تمثلت في الاغتيالات، والتهميش، والإقصاء، وتغييب تاريخ حضرموت من المناهج الدراسية، وتشويه رموزها، واستبعاد أبنائها من مراكز القرار. واستمرت هذه السياسات حتى بعد قيام الوحدة اليمنية.
لماذا خافوا من حضرموت؟
لم يكن هذا التهميش عبثيًا، بل كان مقصودًا ومدروسًا؛ إذ أدرك خصوم حضرموت أن الحضارم يمتلكون عقولًا منتجة، وقدرات تنظيمية واقتصادية متميزة. فقد نشروا الإسلام في شرق آسيا بالأخلاق والمعاملة الحسنة، ونجحوا اقتصاديًا في بلاد المهجر، وبنوا شركات عالمية، ووصل بعضهم إلى مناصب قيادية عليا، وكل ذلك بجهود فردية خالصة.
وكان واضحًا أن اجتماع هذه الطاقات على أرض حضرموت كفيل ببناء دولة قوية، لان هذه الارض تمتلك مقومات الدولة، وتاريخًا عريقًا، وإرثًا حضاريًا، وعقولًا راجحة، فكان طمس الهوية هو الخيار لإبقائها مفككة.
بداية استعادة الهوية الحضرمية
رغم ذلك، لم تمت الهوية. ففي مطلع الألفية الجديدة، بدأ الوعي الحضرمي بالعودة من خلال تحرك بعض المكونات للتعريف با الهوية اولها كان العصبة الحضرميه، وكذلك عبر دعم التجار الحضارم للتعليم، وتقديم المنح الدراسية، وبناء جيلٍ متعلم يعيد الاعتبار لهويته وتاريخه.
ثم جاءت ثورة 2011، وما أعقبها من حوار وطني، ليتم تثبيت المحافظات الشرقية ضمن الإقليم الشرقي (إقليم حضرموت)، فكان ذلك منعطفًا مهمًا في تشكيل وعي حضرمي جديد، وبدأ الناس في البحث عن تاريخ هذا الإقليم وهويته.
وتعزز هذا المسار بتأسيس حلف قبائل حضرموت كمظلة جامعة لمختلف فئات المجتمع، ما أعاد لحضرموت صوتها وثقلها السياسي والاجتماعي. ومع تصاعد الوعي والالتحام الشعبي، أدرك الخصوم خطورة المشروع، فزادت محاولات الاستهداف، لكنها فشلت في كسر الإرادة الحضرمية.
واليوم، استعادت حضرموت ومعها شبوة والمهرة وسقطرى وعيها وهويتها، والتحم أبناؤها على هدف واحد استعادة القرار وبناء المستقبل. ونحن على أعتاب فجرٍ جديد، وإحياء دولة حضرموت أو إقليم حضرموت ليستعيد مجد الأجداد وتاريخهم العريق، وسوف يكون نموذجًا للكل في المستقبل القريب.
وإن كان هناك نقاش حول المسمّى، فالأسماء لا تغيّر الجوهر؛ فسواء سُمّيت حضرموت أو الأحقاف، فالهوية واحدة، والتاريخ واحد، والمصير واحد.
حضرموت ليست طارئة… بل أصلٌ، وهويةٌ، ومشروع مستقبل.