(تقرير) كيف غيّر التصعيد الحـ.ـوثي معادلة الحرب في اليمن؟

(تقرير) كيف غيّر التصعيد الحـ.ـوثي معادلة الحرب في اليمن؟
السدة نيوز - تقرير خاص

تشهد جبهات الساحل الغربي في اليمن تحولًا ميدانيًا متسارعًا، مع اتساع نطاق المواجهات بين مليشيا الحوثي والقوات الحكومية والمقاومة، وامتداد العمليات من مناطق غرب تعز وجنوب الحديدة باتجاه مناطق أكثر حساسية قرب باب المندب.

ولا تبدو التطورات الأخيرة مجرد تغير في خطوط التماس، إذ تتزامن التحركات العسكرية مع نزوح واسع للسكان، وعمليات مداهمة واعتقال ونهب في عدد من المناطق التي دخلتها المليشيا، فيما تستعد عدن لاستقبال موجات جديدة من النازحين، بينما تجاوزت تداعيات التصعيد الحدود اليمنية مع وصول مئات الفارين إلى جيبوتي.

من الوازعية إلى ميون.. مسار ميداني متسارع

بدأت الصورة تتضح مع اتساع التحركات الحوثية في مناطق الساحل الغربي، خصوصًا في الوازعية وحيس والخوخة والمناطق المحيطة بالمخا، قبل أن تأخذ التطورات منحى أكثر حساسية مع الحديث عن وصول الحوثيين إلى مناطق وجزر قريبة من باب المندب.

وتكتسب هذه المناطق أهمية استثنائية بسبب موقعها الجغرافي، إذ تتحكم في جزء من الممر البحري الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويشكل أحد أهم طرق التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.

ميون تفتح باب المخاوف الدولية

يمثل الوصول إلى جزيرة ميون، المعروفة أيضًا باسم بريم، تطورًا يتجاوز الحسابات المحلية للحرب اليمنية، بالنظر إلى موقعها عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.

وتزداد المخاوف عندما تقترن السيطرة على المواقع الساحلية والجزرية بامتلاك قدرات صاروخية وطائرات مسيرة وزوارق مفخخة، وهي الأدوات التي استخدمتها مليشيا الحوثي خلال السنوات الماضية في استهداف السفن والمصالح البحرية.

وفي مقطع متداول، ظهر أحد القيادات الحوثية من موقع يطل على الممر الملاحي في ميون، متحدثًا عن أهمية الموقع وإمكانية استخدام المدفعية المنتشرة على المرتفعات لاستهداف السفن، في مشهد يعكس، بصرف النظر عن دقته العملياتية، طبيعة التفكير العسكري المرتبط بالسيطرة على المواقع المطلة على خطوط الملاحة.

تعز تدخل على خط المعركة

لم تقتصر المواجهات على الساحل، إذ شهدت جبهات محافظة تعز تصعيدًا متزامنًا، خصوصًا في الوازعية وجبهة الدفاع الجوي وجبهة الضباب.

وشنت مليشيا الحوثي هجمات ومحاولات تسلل في عدد من المحاور، فيما أعلنت القوات الحكومية والمقاومة التصدي لها وإفشال محاولات التقدم، بالتزامن مع تنفيذ غارات جوية استهدفت مواقع وتجمعات وآليات حوثية.

كما أحبطت القوات المرابطة في جبهة الأُغبرة بمديرية المضاربة ورأس العارة محاولة تسلل حوثية في المنطقة المحاذية للوازعية، ما يعكس استمرار محاولات المليشيا اختبار خطوط الدفاع وفتح ثغرات جديدة في محيط الساحل.

المقاومة الوطنية تعلن معارك شرسة وخسائر كبيرة

وفي خضم التصعيد، كشفت المقاومة الوطنية عن حصيلة للمعارك التي خاضتها في جبهات الساحل الغربي خلال الفترة الماضية، مؤكدة سقوط أكثر من 500 شهيد ونحو 1500 جريح في صفوفها، مقابل أكثر من ألف قتيل وآلاف الجرحى في صفوف مليشيا الحوثي، وفق بيانها.

وقالت المقاومة إن الهجمات الحوثية بدأت بقصف صاروخي مكثف وهجمات بالطائرات المسيرة والزوارق المفخخة، قبل توسعها عبر محاور حيس والكدحة ومقبنة والبرح وخطوط التماس الأخرى.

وأكدت أن قواتها أعادت تمركزها وأنشأت خطوطًا دفاعية جديدة بهدف منع تطويقها والحفاظ على قوتها القتالية، مشيرة إلى مشاركة وإسناد ألوية العمالقة ودرع الوطن ومتطوعي القبائل، إلى جانب الدعم السعودي.

الميدان لا يسير باتجاه واحد

ورغم الحديث عن تقدم حوثي في عدد من المناطق، فإن التطورات الميدانية تظهر في الوقت ذاته مقاومة عسكرية لمحاولات التوسع، من خلال الغارات الجوية والاشتباكات وعمليات التصدي للتسللات والهجمات.

وتشير هذه المعطيات إلى أن السيطرة على مناطق جديدة لا تعني بالضرورة حسم المعركة، خصوصًا مع استمرار القوات الحكومية والمقاومة في إعادة ترتيب انتشارها وتعزيز مواقعها في المحاور المحاذية للساحل.

وبذلك تبدو المعركة أقرب إلى مرحلة جديدة من إعادة رسم خطوط التماس، وليس نهاية للمواجهة، مع استمرار محاولات كل طرف تثبيت مواقعه وفرض معادلة ميدانية جديدة.

المدنيون في قلب العاصفة

لكن الثمن الأكبر للتصعيد يدفعه المدنيون، إذ دفعت المواجهات آلاف الأسر في غرب تعز وجنوب الحديدة إلى مغادرة منازلها، وسط مخاوف من الاعتقالات والانتقام ونهب الممتلكات.

وتحدث سكان عن مداهمات واعتقالات في الوازعية وحيس والخوخة والحيمة ويختل والمخا، فيما اضطر بعض الأهالي إلى الفرار سيرًا على الأقدام أو باستخدام الدراجات النارية، واصطحب آخرون ما تمكنوا من إنقاذه من المواشي والمقتنيات.

وتحولت طرق النزوح إلى مشاهد قاسية، مع تحرك السيارات والدراجات ومئات المدنيين سيرًا على الأقدام، وسط صعوبات في توفير الوقود والغذاء والمياه، وحوادث تفرق بعض الأسر أثناء رحلة الفرار.

عدن تستعد لموجات نزوح جديدة

ومع استمرار حركة النزوح، بدأت العاصمة المؤقتة عدن الاستعداد لاستقبال الأسر الفارة من مناطق سيطرة الحوثيين.

ودشنت الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين أعمال نصب وتجهيز خيام إيوائية في منطقة الفردوس غربي العاصمة، كما يجري تجهيز مواقع أخرى في عدد من المديريات ضمن خطة للاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة.

وتعكس هذه الإجراءات حجم المخاوف من استمرار تدفق النازحين، خصوصًا إذا اتسعت رقعة العمليات في الساحل الغربي والمناطق المحيطة به.

النزوح يتجاوز البحر الأحمر إلى جيبوتي

ولم تتوقف تداعيات التصعيد عند حدود اليمن، إذ أعلن سفير جيبوتي لدى السعودية وصول نحو 1400 لاجئ يمني من مناطق الصراع في الساحل الغربي إلى جيبوتي خلال 24 ساعة.

وأكد السفير أن هذه الدفعة ليست الأولى، مشيرًا إلى أن بلاده ظلت ملاذًا آمنًا للأشقاء من دول الجوار، رغم الضغوط الأمنية والاقتصادية والإنسانية التي تفرضها موجات النزوح المتزايدة.

ويعكس هذا التطور اتساع التداعيات الإنسانية للمعارك، وتحول الساحل الغربي من جبهة داخلية إلى مصدر حركة نزوح تؤثر في دول الضفة الأخرى للبحر الأحمر.

إيران حاضرة في المشهد

وتضع التطورات الأخيرة البعد الإقليمي للحرب في الواجهة مجددًا، خصوصًا مع الاتهامات الموجهة لإيران بدعم مليشيا الحوثي وتطوير قدراتها العسكرية والبحرية.

وترى الحكومة اليمنية أن التصعيد الحوثي الأخير يتجاوز الحسابات المحلية، ويرتبط بأجندة إيرانية تستغل الموقع الاستراتيجي لليمن في الضغط على أمن المنطقة والملاحة الدولية.

وبالنسبة لإيران، فإن امتلاك حليف مسلح على مقربة من باب المندب يمنحها ورقة إضافية في منطقة تتداخل فيها طرق التجارة والطاقة والصراعات الإقليمية.

باب المندب أمام معادلة جديدة

القلق الأكبر لا يرتبط فقط بمن يسيطر على مساحة من الأرض، وإنما بما تعنيه تلك السيطرة إذا تحولت المواقع الساحلية والجزر القريبة من باب المندب إلى منصات للرصد أو الهجوم على السفن.

فأي تهديد مستمر للممر الملاحي يرفع تكاليف التأمين والنقل، وقد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، كما ينعكس على حركة الموانئ والتجارة والاقتصادات المحلية في المنطقة.

وتزداد حساسية الموقف في ظل اضطرابات طرق الملاحة الأخرى، ما يجعل باب المندب أكثر أهمية بالنسبة لحركة التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.

الساحل اليمني يدفع ثمن عسكرة الجغرافيا

وفي الداخل اليمني، لا تتوقف الخسائر عند الجانب العسكري والإنساني، إذ يهدد استمرار عسكرة الساحل قطاعات اقتصادية واسعة تعتمد عليها المجتمعات المحلية، وفي مقدمتها الصيد والنقل والتجارة.

وقد أدى تصاعد النشاط العسكري في البحر الأحمر خلال السنوات الماضية إلى خسائر كبيرة بين الصيادين، وإجبار آخرين على ترك مهنتهم، ما انعكس على أسرهم وعلى سلسلة اقتصادية تمتد من القوارب ومخازن التبريد إلى الأسواق والنقل.

وبذلك تتحول المناطق الساحلية التي يفترض أن تكون بوابة للتجارة والتنمية ومصدرًا للرزق إلى ساحات للصراع، فيما تتراجع فرص الاستثمار وتتزايد المخاطر المحيطة بالموانئ والمجتمعات الساحلية.

معركة تتجاوز حدود اليمن

المشهد الذي يتشكل اليوم من الوازعية إلى المخا، ومن تعز والحديدة إلى ميون وباب المندب، لا يعكس مجرد توسع في رقعة القتال، بل إعادة تشكيل لمعركة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والإنسانية والاقتصادية والإقليمية.

فمليشيا الحوثي تسعى إلى استثمار موقع الساحل والجزر القريبة من خطوط الملاحة لتعزيز أوراقها، بينما تحاول القوات الحكومية والمقاومة منع تثبيت هذا التوسع وإعادة ترتيب خطوط الدفاع.

وبينما تستمر المواجهات، يبقى المدنيون في صدارة الخاسرين، مع اتساع النزوح وتضرر مصادر الرزق وارتفاع الاحتياجات الإنسانية.

ومع اقتراب المعركة من أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، فإن مستقبل الساحل الغربي لم يعد شأنًا يمنيًا محضًا، بل أصبح مرتبطًا بأمن الملاحة الدولية وبالتوازنات الإقليمية، ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على مزيد من التصعيد أو تحولات ميدانية قد تعيد رسم خريطة النفوذ في اليمن والمنطقة.