للرياض حساباتها.. وللأيام القادمة كلمتها
زايد بارشيد
في السياسة لا تكمن أهمية الخطابات دائماً في مضامينها المعلنة وإنما في توقيتها والظروف المحيطة بها، وما قد تحمله من إشارات إلى أطراف لا تبدو معنية بها بصورة مباشرة.. ومن هذه الزاوية تستوقف المتابع في خطاب عيدروس الزبيدي مطالبته المملكة العربية السعودية بالاعتراف بالإعلان الدستوري، وهي مطالبة تستحق قراءة تتجاوز حدود المشهد الجنوبي إلى طبيعة التحولات الإقليمية والتصعيد الحوثي تجاه الأراضي السعودية.
ثمة فرضية سياسية جديرة بالتأمل مفادها أن هذه المطالبة قد تتقاطع مع حسابات سعودية أوسع، تتصل بإدارة الضغوط الإقليمية وإعادة ترتيب الخيارات المتاحة أمام الرياض.. فالمملكة التي تتعامل مع التهديدات الحوثية باعتبارها مسألة تمس أمنها الوطني بصورة مباشرة، تمتلك من الثقل السياسي والعسكري ما يتيح لها مراجعة أدوات التعامل مع المشهد اليمني وفق مقتضيات المرحلة.
ومن هذا المنطلق يمكن قراءة الخطاب باعتباره إشارة محتملة إلى مسقط والدوحة، في ضوء ما يُنسب إليهما من قنوات اتصال وعلاقات إقليمية قد تسهم في احتواء التصعيد، خصوصًا عبر التواصل مع طهران والأطراف المؤثرة في مسار الأزمة اليمنية.
وإذا صحت هذه الفرضية فإن الرسالة التي قد تكون الرياض معنية بإيصالها تتلخص في أن استمرار الهجمات الحوثية لن يترك خياراتها السياسية والعسكرية على حالها، وأن إعادة النظر في موقع القوى الجنوبية، وصولًا إلى احتمال الاعتراف بالإعلان الدستوري وإعادة الزبيدي وقواته إلى مواقع متقدمة باتجاه صرفيت وشحن، قد تصبح إحدى الأوراق المطروحة ضمن حسابات إعادة التوازن.
وأمام هذا الاحتمال، يمكن تصور مسارين رئيسيين للتطورات المقبلة:
المسار الأول أن تشهد المرحلة القادمة تحركات دبلوماسية أكثر فاعلية من جانب سلطنة عُمان وقطر، للاستفادة من قنوات التواصل الإقليمية في الدفع نحو وقف الهجمات الحوثية على السعودية، وتهيئة الظروف لتفاهمات أمنية وسياسية قد تفضي إلى هدنة أو استئناف المفاوضات.. وهو مسار ينسجم مع المصلحة السعودية في حماية أمنها واستقرارها، وتغليب الحلول التي تحقق ضمانات مستدامة وتحد من استنزاف المنطقة.
أما المسار الثاني فيرتبط باحتمال استمرار التصعيد وتعثر جهود التهدئة، وهو ما قد يدفع الرياض إلى توسيع نطاق خياراتها وإعادة تقييم الترتيبات السياسية والعسكرية القائمة.. وفي هذه الحالة قد تكتسب الورقة الجنوبية أهمية إضافية ضمن أدوات الضغط وإعادة تشكيل موازين القوى، بما في ذلك احتمال إعادة الزبيدي إلى واجهة المشهد السياسي والعسكري.
غير أن القراءة المتأنية تقتضي عدم التعامل مع هذه الاحتمالات باعتبارها قرارات سعودية محسومة؛ فلا توجد في المعطيات المطروحة قرائن كافية تؤكد أن خطاب الزبيدي جاء بتنسيق مع الرياض، أو أن المملكة اتخذت موقفًا نهائيًا من الإعلان الدستوري.
والأهم في تقديري أن المملكة ليست أمام خيار مفروض عليها بين التهدئة والاعتراف بالإعلان الدستوري؛ فدولة بثقل السعودية تمتلك هامشاً أوسع للمناورة، وتستطيع إدارة أكثر من ورقة سياسية وعسكرية في الوقت نفسه، وفق أولويات أمنها الوطني ومصالحها الاستراتيجية.
وهنا تبرز المسألة الأكثر أهمية: هل يمكن أن يتحول الملف الجنوبي إلى إحدى أدوات إعادة ضبط التوازنات الإقليمية إذا استمر التصعيد الحوثي؟ وهل تحمل المطالبة بالاعتراف بالإعلان الدستوري مؤشرا على تحولات يجري استشرافها، أم أنها تعكس حسابات الزبيدي السياسية في هذه المرحلة؟
الإجابة عن هذين السؤالين تستدعي مراقبة التحركات السعودية الفعلية، وطبيعة الاتصالات الإقليمية، ومواقف مسقط والدوحة، ومدى استمرار الهجمات الحوثية أو انحسارها. فهذه المؤشرات ستكون أكثر دلالة من الخطابات والتفسيرات الإعلامية المصاحبة لها.
وفي المحصلة، فإن الرياض تظل الطرف الأقدر على تحديد توقيت خياراتها وطبيعتها، انطلاقا من مصالحها وحساباتها الأمنية، بعيداً عن الضغوط الإعلامية أو الرغبات السياسية لأي طرف.
ولعل الأيام القادمة تكشف ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تفاهمات تعيد التهدئة إلى الواجهة، أم أن استمرار التصعيد سيدفع إلى مراجعة أعمق لموازين القوى. وفي الحالتين، ستظل القرارات السعودية الفعلية هي المعيار الأهم لفهم اتجاه المرحلة.. فالسياسة لا تُقرأ من ظاهر التصريحات وحدها، وإنما من حركة المصالح وتوقيت القرارات، وما تختار الدول فعله حين تتغير المعادلات.