شبام حضرموت... حين صعد الطين إلى السماء
العربي الجديد
تكشف شبام حضرموت، المدينة الطينية العمودية، عن عبقرية معمارية محلية سبقت عصرها، ونموذج فريد للاستدامة والانسجام مع البيئة، إضافة إلى إرث ثقافي وفني غني جعل منها منبعاً أساسياً للمدارس الغنائية اليمنية.
ليست مدينة شبام حضرموت مجرد مقصد سياحي، ولا صورة فوتوغرافية تتصدر أغلفة الكتب، بل تجربة إنسانية ومعمارية متكاملة، تؤكد أن مفاهيم الاستدامة والانسجام مع الطبيعة ليست ابتكاراً حديثاً. هنا، يصعد الطين إلى السماء، شاهداً على عبقرية الإنسان اليمني، وعلى مسؤولية العالم في إنقاذ هذا الإرث الفريد من الإهمال وعوادي الزمن، قبل أن يتحول هذا الصعود المعجزي إلى سقوط صامت في ذاكرة النسيان.
وتقع شبام في حضرموت، أكبر محافظات اليمن مساحةً، والتي تمثل أكثر من ثلث مساحة البلاد، وتنقسم جغرافياً إلى حضرموت الساحل وعاصمتها المكلا، وحضرموت الوادي وعاصمتها سيئون. وتُعد حضرموت من أغنى مناطق اليمن بتنوعها الطبيعي والثقافي، من تضاريسها المتباينة إلى تراثها الفني والغنائي الذي شكّل أحد أهم روافد الثقافة اليمنية.
في الطريق إلى وادي حضرموت، حيث تمتد الصحراء على مهل، ويخفت لون الرمل تحت وطأة الشمس، لا يتوقع الزائر مفاجأة عمرانية بهذا الحجم. فجأة، ومن قلب السكون، تنهض مدينة شبام التاريخية ككتلة ذهبية من الطين، مدينة عمودية تتحدى الأفق، بلا خرسانة ولا فولاذ. هنا، لم تُرفع الجدران بأذرع الرافعات الحديثة، بل بأيدي بنّائين أحبوا الأرض، وفهموا مزاجها، وطوّعوها لتصعد نحو السماء قبل قرون.
تبدو شبام، للوهلة الأولى، وكأنها لوحة معلّقة بين زمنين: زمن بسيط في أدواته، وعبقري في نتائجه. مدينة لا تُقاس قيمتها بحداثة عمرانها، بل بما تختزنه من معرفة معمارية وذكاء إنساني، إضافة إلى إرث ثقافي وفني غني جعل منها منبعاً أساسياً للمدارس الغنائية اليمنية.
تعود جذور المدينة إلى عصور ما قبل الإسلام، حين كانت محطة رئيسية على طريق البخور واللبان، غير أن ملامحها المعمارية الحالية تشكّلت بوضوح في القرن السادس عشر الميلادي. وبعد تعرضها لسيول جارفة وهزات تاريخية، أعاد الحضارمة بناءها وفق نظام "العمودية"، فارتفعت البيوت إلى سبعة وثمانية طوابق، في سابقة معمارية لافتة. هذا التفرد دفع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) إلى إدراج شبام على قائمة التراث العالمي عام 1982، قبل أن تُدرج عام 2015 ضمن قائمة التراث المهدد بالخطر.
وتضم شبام أكثر من 500 منزل طيني، يراوح ارتفاع معظمها بين خمسة وثمانية طوابق، ويصل بعضها إلى نحو 30 متراً، ما يجعلها أقدم نموذج معروف للمدن العمودية في التاريخ. هذه المباني المتلاصقة، المتراصة صفاً واحداً، لم تُشيد للتفاخر، بل استجابةً لحاجات دفاعية واجتماعية، في بيئة عرفت الغزو أكثر مما عرفت الاستقرار.
وتتجلى عبقرية العمارة الشبامية في استخدامها الذكي لمواد البيئة المحلية. فالطين، المعجون بالماء، يشكّل المادة الأساسية، ويُضاف إليه التبن لمنع التشقق وزيادة التماسك، ليُصاغ في قوالب تُجفف تحت الشمس. أما الأعمدة والسقوف والأبواب، فصُنعت من خشب السدر المعروف محلياً بـ"العلب"، لمقاومته الرطوبة وحشرة الأرضة. وتُختتم العملية بطبقة من "النورة"، وهي مادة جيرية تُطلى بها الواجهات لحمايتها من الأمطار، وتمنح المدينة لونها الأبيض المميز. وقد أثبت هذا المزيج قدرة استثنائية على الصمود لقرون، شريطة الصيانة الدورية.
لم يكن غريباً أن يطلق رحالة غربيون، من بينهم المستشرقة البريطانية فرايا ستارك، على شبام لقب "منهاتن الصحراء" أو "شيكاغو الصحراء". فالمدينة تشكل أفقاً عمرانياً متكاملاً وسط وادي حضرموت، في وقت كانت معظم مدن العالم لا تتجاوز بيوتها طابقين، بينما ضمت شبام مئات "ناطحات السحاب" الطينية، المتراصة بنظام هندسي يوفر الحماية ويخلق مناخاً داخلياً معتدلاً.
يقول حسن عيديد، مدير عام الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية بشبام حضرموت، ومدير موقع شبام، لـ"العربي الجديد": "تتميز شبام بقيمة عالمية استثنائية تتمثل في نمط المباني التي بنيت من الطين، ويقدر عمرها الزمني بحوالي 500 سنة، وما يميزها أيضاً المعايير التي شُيدت عليها عبر استخدام الإنسان للمواد المحلية الموجودة في المحيط، وهي الأحجار والأشجار والطين وأشجار العلب، ومنها بنى الشباميون بيوتهم وأسوارهم وقصورهم".
ولا تكمن عبقرية شبام في ارتفاع مبانيها فقط، بل في تفاصيلها الدقيقة. فالشوارع الضيقة صُممت لتوفير الظل وتخفيف حرارة الشمس، والجدران تبدأ سميكة في الأسفل ثم تستدق تدريجياً مع الارتفاع، في توزيع ذكي للأحمال لا يزال يثير إعجاب المهندسين المعاصرين.
كما أن المنزل الشبامي ليس مجرد مساحة للسكن، بل نظام حياة متكامل. ففي الطوابق السفلية تُخصص المساحات للمواشي والمخازن، حيث البرودة الطبيعية، بينما تُستخدم الطوابق الوسطى للمجالس واستقبال الضيوف، وتُخصص الطوابق العليا للنساء والعائلات، في تقسيم يعكس فهماً عميقاً للخصوصية الاجتماعية.
وفي غياب الكهرباء قديماً، اعتمدت المدينة على حلول معمارية ذكية، أبرزها المشربيات الخشبية والنوافذ الصغيرة المدروسة الاتجاه، التي تسمح بمرور الهواء وتخفف الحرارة، مع الحفاظ على الخصوصية. وعلى خلاف مدن تاريخية كثيرة تحولت إلى متاحف صامتة، لا تزال شبام مدينةً مأهولة. يعيش سكانها داخل هذه البيوت العتيقة، يتوارثونها جيلاً بعد جيل، ويمارسون حياة يومية تختلط فيها الحداثة بعبق الماضي.
ويقول الحاج محمد علي حسين، وهو ستيني من أبناء المدينة، لـ"العربي الجديد": "نحن لا نسكن شبام، لكنها تسكننا، هذه المدينة هي الهوى والهوية بالنسبة لنا، هي أيضاً مصدر فخرنا لأنها ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، وهي ذاكرتنا ومستودع ذكرياتنا، هي كل عالمنا".
وقد أسهم تقارب البيوت وضيق الأزقة في خلق نمط من الحميمية والتكافل الاجتماعي، إذ كانت المدينة أشبه بحصن جماعي يحمي سكانه، ويعزز روابطهم اليومية. ولا تكتمل صورة شبام من دون الإشارة إلى النجارة الحضرمية، خصوصاً الأبواب الخشبية المزخرفة والنقوش الدقيقة التي تشكل جزءاً أصيلاً من هوية المدينة.
ورغم صمودها قروناً، تبقى العمارة الطينية حساسة أمام السيول والأمطار الغزيرة، التي ازدادت حدتها في السنوات الأخيرة بفعل التغير المناخي، مسبِّبةً أضراراً جسيمة لبعض المباني. وتعتمد المدينة على تجصيص الجدران بمادة "النورة"، وهي عملية مكلفة وتتطلب خبرات تقليدية بدأت تتراجع مع هجرة الحرفيين.
وبينما يشكل إدراج شبام على قائمة التراث العالمي اعترافاً دولياً بقيمتها، يفرض في المقابل مسؤوليات كبيرة، تتطلب دعماً حقيقياً وخطط حماية مستدامة، لا تكتفي بالشعارات. ويؤكد حسن عيديد أن "المدينة تتعرض لمخاطر كبيرة في ظل الوضع العام في البلد، وكذلك بسبب التغير المناخي، والوضع الاقتصادي الذي جعل البعض عاجزاً عن ترميم بيته، وتوقف الدعم الحكومي عن تمويل مشاريع الحفاظ والترميم".