المجلس التنسيقي الأعلى للقوى للمكونات الحضرمية قراءة علمية في قرار التأسيس وآفاق النجاح
بقلم: م.لطفي بن سعدون
منذ صدور قرار محافظ حضرموت رقم (100) لسنة 2026م بشأن تشكيل المجلس التنسيقي الأعلى للقوى والمكونات السياسية والمجتمعية الحضرمية، انقسم الشارع الحضرمي بين مؤيد يرى فيه خطوة أولية نحو توحيد القرار الحضرمي، ومعارض يعتبر أن تشكيله سيئ و لا يعكس التمثيل الحقيقي للمجتمع الحضرمي.
وبين هذين الموقفين، تبرز الحاجة إلى قراءة علمية هادئة، تنطلق من معايير الحوكمة الرشيدة وتجارب المجالس التنسيقية المشابهة، حتى يكون الحكم على التجربة قائماً على معايير موضوعية، لا على الانطباعات الذاتية أو الاصطفافات السياسية.
أولاً: لماذا تحتاج حضرموت إلى مجلس تنسيقي أعلى؟
تؤكد التجارب السياسية الحديثة أن المجتمعات الكبيرة والمتنوعة مثل حضرموت، تحتاج إلى مؤسسات سياسية فاعلة ، للحوار والتنسيق وتوحيد وتوافق الرأي، خصوصاً عندما تتسع الجغرافبا وامتداداتها في المهجر وتتعدد القوى السياسية والاجتماعية والقبلية والمدنية.
وتبرز أهمية المجلس في عدة جوانب:
- توحيد الرؤية الحضرمية وتوافقها تجاه القضايا المصيرية.
- تقليل الصراعات بين المكونات المختلفة.
- تقديم رؤية مشتركة للسلطة المحلية والدولة.
- إشراك مختلف فئات المجتمع في صناعة القرار.
- حماية السلم الاجتماعي ومنع الاحتكار السياسي.
- بناء شراكة وتوافق مجتمعي بدلاً من سياسة الإقصاء والتهميش.
وعليه فإن المبدأ نفسه، أي إنشاء مجلس تنسيقي، يمثل خطوة إيجابية تتفق مع مبادئ الحراك السياسي والإدارة الحديثة، بينما يبقى نجاحه مرهوناً بطريقة ومعايير تشكيله وآلية عمله.
ثانياً: المعايير العلمية لتشكيل المجلس
لكي يكتسب المجلس الشرعية المجتمعية، ينبغي أن يقوم على معايير واضحة، أهمها:
1- التمثيل الجغرافي
ليشمل جميع مديريات حضرموت الساحل والوادي والصحراء، مع مراعاة الوزن السكاني والمساحة والأهمية الاستراتيجية والجيو سياسية.
2- التمثيل السياسي
إشراك مختلف الاتجاهات السياسية دون احتكار أو إقصاء. مع اعطاء مساحة أكبر للمكونات الحضرمية المستقلة. وعلى قاعدة حضرموت اولا.
3- التمثيل القبلي
باعتبار القبيلة أحد المكونات الاجتماعية المؤثرة في حضرموت وتشكل احد جناحيها ، وتتوزع في معظم جغرافية حضرموت.
4- التمثيل المدني
وتتركز في المدن وتشكل الجناح الاخر لحضرموت وتشمل،النقابات، الاتحادات، الجمعيات، منظمات المجتمع المدني، والقطاع الخاص.
5- تمثيل الكفاءات
وهم الأكاديميون، والخبراء، والاقتصاديون، والقانونيون، والإعلاميون. وهم بناة الدولة الحديثة ورافعة سلطة النظام والقانون.
6- تمثيل الشباب
كونهم القوة الأكبر في المجتمع وصناع المستقبل.
7- تمثيل المرأة
باعتبارها شريكاً أساسياً في التنمية وصناعة القرار.
8- تمثيل المهجر الحضرمي
لما يمثله من ثقل اقتصادي وعلمي واستثماري وامتداد سكاني.
9- النزاهة والكفاءة
بحيث تكون معايير الاختيار قائمة على الكفاءة والخبرة وحسن السمعة، لا على الولاءات الشخصية والحزبية.-
ثالثاً: تقييم التشكيلة الحالية
يمكن تقييم أي تشكيلة وفق أربعة أسئلة:
* هل تشكلت وفق المعايير الأساسية ؟
- هل كانت شاملة؟
- هل كانت متوازنة؟
- هل كانت عادلة؟
فإن حققت هذه المعايير، فإنها تستحق الدعم.
ويتضح من قوام التشكيلة ان التوزيع الأثني لها كمايلي :
١) الشنافرة عدد ٥
٢)بني ظنه عدد ٣
٣)مدني عدد ١٤
٤) السادة عدد ٤
٥) يافع عدد ٣
٦) سيبان عدد ٢
٧)نوح عدد ١
٨) الجعدة عدد ٢
٩) الحموم عدد ٢
واستثنت من هذه التشكيلة قبائل طائلة تمثل اكثر من ثلث اجمالي سكان حضرموت وهم طائلة نهد والصيعر وبلعبيد والمناهيل وال باوزير وال العمودي والعوابثة وغيرهم.
وجغرافيا تركزت هذه التشكيلة في مدن المكلا وسيؤن ومحيطهما في الساحل والهضبة وشرق الوادي واستثنت منها كل المديريات الصحراوية الشمالية والشرقية والمناطق الغربية وهي تمثل نصف جغرافية حضرموت .
واما التوزيع السياسي فهي كمايلي :
١) حلف وجامع ٦
٢)مجلس حضرموت الوطني ٦
٣) المرجعية ٢
٤) المؤتمر ٧
٥) الإصلاح ٢
٦) الإشتراكي ١
٧) الانتقالي والحراك ٩
٨)مستقلين ٢
والبعض لهم ولاءات مزدوجة .
ويتضح ان مايقارب من ٢٠ شخصية ولاءاتها لمركزي صنعاء وعدن ويعني ذلك ضعف التمثيل الحضرمي المستقل لصالح التبعية .
اما تمثيل التكنوقراط والكفاءات فقد كان محدودا في مجملة .
وهنا يظهر قصور في جوانب التمثيل، ويجب تلافيه سريعا ، باستكمال النواقص من خلال:
- توسيع وتصحيح العضوية، وفقا والمعايير التي اشرنا لها .
- تشكيل لجان استشارية تخصصية.
وبذلك يتحول المجلس إلى مؤسسة قابلة للتطوير، لا إلى إطار جامد.
رابعاً: الدور المنتظر من المجلس
إذا أحسن بناء المجلس وإدارته، فإنه يستطيع أن يصبح المرجعية الحضرمية الجامعة في:
- رسم السياسات العامة.
- التنسيق بين السلطة والمجتمع.
- إدارة الخلافات بالحوار.
- إعداد الرؤى الاقتصادية والتنموية.
- الدفاع عن حقوق حضرموت.
- تمثيل الإرادة الحضرمية أمام الأحزاب ولجان الحوار والدولة والإقليم والعالم.
وبذلك ينتقل العمل الحضرمي من ردود الأفعال إلى صناعة المبادرات.
خامساً: الدروس المستفادة من فشل التجربة الحزبية
شهدت اليمن خلال أكثر من ستة عقود تجارب سياسية متعددة، إلا أن كثيراً منها أخفق في بناء دولة المؤسسات، نتيجة:
- تغليب الولاءات الحزبية والشخصية والأسرية والمناطقية على المصلحة العامة.
- احتكار القرار.
- ضعف الشراكة الوطنية.
- غياب الكفاءات عن مواقع القرار.
- المركزية المفرطة.
- تحويل الأحزاب إلى أدوات للصراع بدلاً من التنمية.
* انتشار الفساد المفرط في قياداتها وداخلها .
ومن هنا برزت الحاجة إلى نماذج جديدة تقوم على الشراكة المجتمعية الواسعة، لا على الهيمنة الحزبية.
سادساً: متطلبات نجاح المجلس
نجاح المجلس لا يتوقف على تشكيله فقط، بل على طريقة عمله، ومن أهم عوامل النجاح:
- نظام داخلي واضح.
- تحديد الصلاحيات.
- الشفافية والحوكمة.
- نشر التقارير الدورية.
- اتخاذ القرار بالتوافق كلما أمكن.
- إنشاء لجان متخصصة.
- التواصل المستمر مع المواطنين وتبني همومهم وخدماتهم.
- تقييم الأداء بصورة دورية.
سابعاً: رؤية مستقبلية
يمكن أن يشكل المجلس نواة لتجربة حضرمية رائدة في الحراك السياسي والإدارة المحلية، إذا تطور مستقبلاً إلى مؤسسة سياسية و استشارية ذات طابع مؤسسي بقيادة جماعية ، تستند إلى قواعد تمثيل توافقية واضحة، وتعمل بالتنسيق مع السلطة المحلية، بعيداً عن الإقصاء أو الاحتكار.
فحضرموت، بما تمتلكه من إرث حضاري، وتنوع اجتماعي، وكفاءات بشرية، قادرة على تقديم نموذج سياسي وإداري جديد ناجح في كل المحافظاتالمحررة ، يجعل من الحوار والتوافق والعدالة أساساً لإدارة الشأن العام.
الخلاصة
إن تشكيلة المجلس الحالية ، للاسف لا تتوافق مع فلسفة إنشائه، ومعايير تشكيله، وآليات عمله، وقدرته على تمثيل مختلف مكونات المجتمع الحضرمي. وانما تحول إلى إطار مغلق تهيمن عليه الاحزاب والمكونات الجنوبية والشمالية خلافا لمبدأ حضرموت أولا ، وتحتكر القرار و تقصي المكونات الحضرمية والقبلية والمدنية المستقلة والتكنوقراط .
و من حق المجتمع الحضرمي المطالبة بإصلاحه وتصحيح مساره. وهذا مانرجوه سريعا .