من كينيا إلى حضرموت.. رحلة هندوسي إلى الإسلام
حضرموت - حسين باوسيم
في مدينة "ممباسا" كينيا عاش جُلَّ حياته هناك بين أديان متعددة وطوائف مختلفة بعد أن هاجر من الهند إلى أرض كينيا للبحث عن ملاذ آمن لمستقبله، لتبدأ حكاية هندوسي متشدد وابنته المسلمة.
"موكيش كارسان قوكال الكيني" 68 عاما، يتخذ من الهندوسية ديانة له، انتقل مهاجرا من الهند إلى كينيا وفيها أخذ الجنسية الكينية، وعمل في أعمال مختلفة لتيسير أمور حياته، ومن ثم تزوج وكوَّن عائلة هندية كينية.
الهندوس في كينيا
الهندوسية في كينيا هي أقلية دينية تشكل 0.13% من سكانها بعدد 60,287 وفقا لتعداد 2019م، حيث تُعد كينيا واحدة من ثلاث دول إفريقية فقط تعترف بالهندوسية كدين رسمي.
هذا الاعتراف جاء نتيجة جهود "المجلس الهندوسي في كينيا"، وهو هيئة جامعة للهندوس في البلاد ومعترف بها من الحكومة، وجميع المنظمات الهندوسية أعضاء فيها. يقوم الهندوس بحل مشاكلهم بواسطة المجلس، ومن مهامه إعداد مناهج وكتب التعليم الديني الهندوسي.
فتاةُ "موكيش" الوحيدة
رُزق "موكيش" بطفلة وكانت وحيدته، عاشت بين أحضان والديها الذين أحبوها بشدة، وكانت لهم كشمعة أضاءت بيتهم المُعتم. كبرت الطفلة وكانت ذكية، سلاحها العلم وشغفها الاطلاع، درست حتى المرحلة الجامعية لتلتحق بإحدى جامعات مدينة "ممباسا" الكينية لدراسة الطب.
وجدت في الجامعة مزيجا من الطلاب والطالبات الذين ينتمون لديانات مختلفة في بلد تتعدد فيه الديانات والإنتماءات، تعرَّفت الفتاة على زملاء من الديانة الإسلامية والتي تشكل نسبة 10% من سكان كينيا، ويعد ثاني دين في البلاد.
تأثرت الفتاة بالإسلام والمسلمين الذين يتركز معظمهم في "مومباسا" المدينة التي عاشت وترعرت فيها فتاة "موكيش" الوحيدة، لتعتنق الإسلام ولكن بسرية تامة، فعائلتها متشددة دينيا، وربما إذا عرفوا بإسلامها قتلوها.
استمرت في ديانتها الإسلامية الجديدة لسنوات واتخذت لها اسم "خديجة" نسبة لأم المؤمنين خديجة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
انتقلت "خديجة" إلى بيت أعمامها بعد وفاة والدتها، وابتعاد والدها عنها بسبب عمله في مدينة أخرى، ومضت الأيام حتى علم والدها بإسلامها ولكنه رغم بُعده عنها يتواصل معها باستمرار. وبعدها علمت العائلة عن إسلامها ولخوفها منهم هربت خديجة إلى منزل عائلة من أصول حضرمية تدعى "آل البيتي".
إلى ديار السلام
لم تلبث "خديجة" طويلا حتى شدَّت رحالها نحو حضرموت إحدى المحافظات اليمنية شرقي البلاد؛ هربا بروحها ودينها، إلى ديار السلام ومنبع الطمأنينة والوئام، وتحديدا مدينة تريم.
تشتهر مدينة تريم بكثرة مساجدها حيث يبلغ عدد المساجد نحو 360 مسجدا، على عدد أيام السنة، وكذا تشتهر بالعلم وعلماء الدين، واختيرت عاصمة الثقافة الإسلامية في عام 2010م من قبل المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسسكو).
كان التواصل بين "خديجة" ووالدها مستمر برغم عدم رضاءه بما فعلت إلا أن محبته لها لم تجعله يصبر أكثر على فراقها، فشد رحاله إليها، ولكن هدفه كان أخذ ابنته الوحيدة والعودة بها إلى كينيا.
وصل "موكيش" في منتصف شهر رمضان 1446ه - 2024م، ليستقبله أهل تريم بحفاوه كضيف لإكرامه وكهندوسي للإحسان إليه، رغم عزمه على أخذ ابنته والعودة إلا أن الحبيب عمر بن حفيظ، وهو عميد "دار المصطفى" بتريم طلب منه البقاء أيام هناك وبعدها بإمكانه فعل ما يشاء.
إسلام "موكيش" الهندوسي
عاش "موكيش" قرابة خمسة أيام في تريم رأى فيها إحسان الأهالي إليه وإكرامهم له وتعاملهم الحسن معه وكأنه واحدا منهم، حيث شهد نموذجًا واضحا للتعايش الديني والمجتمعي، وصورة لدِين تمَّم مكارم الأخلاق.
في ليلة 21 من شهر رمضان، اعتنق "موكيش" الإسلام متأثرا بخمسة أيام قضاها بين المسلمين يراهم يصلون ويصومون ولربهم عابدون، نطق الشهادتين معلنا دخوله دينا جديدا لينضم إلى ابنته "خديجة" ويتخذ له اسم "محمد".
يقول لي أحد الأهالي:" بدأ محمد يندمج ويحضر معنا المجالس العلمية بحماس، مجتهد في عمله ومكافح ومسالم حتى الأرض لاتشتكي منه، كان رحيم يفرح به الأطفال ويشتري لهم شيئا من البسكويت والحلويات ويوزع عليهم بشكل شبه يومي".
"خديجة" تزوجت في تريم من شاب سيريلنكي من أصول حضرمية وأنجبت طفلاً حفيدًا لمحمد، وعاشت مع زوجها وطفلها ووالدها كعائلة لمَّ شملها من جديد.
"محمد" إلى جوار ربه
بعد سنة ونصف وجد فيها "محمد" قيمةً لحياته وعاش فيها أيامًا مختلفة، وحان وقت الرحيل ولكن ليس إلى كينيا البلد الذي عاش فيه معظم حياته، بل هذه المرة الرحيل إلى جوار ربٍّ كريم في رحلة حياة خالدة.
صَدحت مساجد تريم بإعلان وفاة "محمد موكيش كارسان قوكال الكيني"، في ليلة الجمعة 1 ربيع الأول 1448ه الموافق 14 أغسطس 2026م، وصُلِّي عليه في "جبانة" تريم ودُفن في مقبرة "زنبل"، وأقيم له عزاء في مسجد الروضة بمنطقة "عيديد".